تشكيل الحكومة العراقية يُشعل سباق النفوذ والتحالفات

بحكم غياب أي كتلة قادرة على حسم الأغلبية منفردة، تبدو مفاوضات تشكيل الحكومة مرشحة لأن تأخذ وقتا أطول، إذ تفرض طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة بناء تحالفات معقدة

بغداد - تتجه الأنظار في العراق نحو مرحلة شديدة الحساسية عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، حيث دخلت البلاد مجدداً في دوامة تشكيل الحكومة وما يرافقها من تحالفات وتفاهمات وصراع على النفوذ بين القوى الشيعية والسنية والكردية.

ومع أن الدورة الانتخابية الحالية لم تحمل مفاجآت كبيرة في الترتيب العام للقوى، إلا أنها أعادت إبراز تناقضات المشهد العراقي وتركيبته المعقدة، حيث تتشابك الحسابات الداخلية مع تأثيرات إقليمية ودولية لا تغيب عن أي مسار سياسي في بغداد.

وجاء ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في المرتبة الأولى بـ46 مقعداً، متبوعاً بائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي (30 مقعداً)، ثم الحزب الديمقراطي الكردستاني (28 مقعدا). كما توزعت باقي المقاعد بين قوى سنية وشيعية وكردية أخرى بينها تقدّم وصادقون وقوى الدولة الوطنية والاتحاد الوطني الكردستاني والعزم وإشراقة كانون.

وبحكم غياب أي كتلة قادرة على حسم الأغلبية منفردة، تبدو مفاوضات تشكيل الحكومة مرشحة لأن تأخذ وقتا أطول، إذ تفرض طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة بناء تحالفات معقدة تتداخل فيها مصالح الكتل والطوائف والقوى الإقليمية المؤثرة، فالدستور يحدد سلسلة مهل زمنية تبدأ بدعوة البرلمان للانعقاد، مروراً بانتخاب رئيسه، ثم اختيار رئيس الجمهورية، وصولاً إلى تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة. غير أن التجربة العراقية تُظهر أن العامل السياسي، لا الزمني، هو الذي يحكم فعلياً هذه المرحلة.

وفي هذا السياق، يرى محللون أن ميزان القوى بعد الانتخابات يميل بوضوح لصالح الإطار التنسيقي الشيعي، الذي يضم دولة القانون وبدر والعصائب وتيار الحكمة وقوى أخرى، ويُعتقد أنه يمتلك نحو 120 مقعداً، ما يجعله الأقرب لإعلان نفسه الكتلة الأكبر.

ويشير ذلك إلى احتمال أن يجد السوداني نفسه خارج موقع اشتراط ترؤس الحكومة الجديدة، ما لم يدخل في تفاهم أوسع مع الإطار التنسيقي، الذي يستعيد بدوره موقعه التقليدي باعتباره الفاعل الأقوى داخل البيت الشيعي.

ولا تبدو القوى السنية والكردية في وارد تحدي هذا المسار، إذ يتوقع مراقبون أن تتجه أحزاب مثل تقدّم والعزم والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني نحو مفاوضات مباشرة حول الحقائب الوزارية وترتيبات الحكم، بدلاً من الدخول في صدام سياسي قد يتركها خارج دائرة النفوذ.

لكن ذلك لا يلغي وجود تنافس محتمل على منصب رئاسة الجمهورية، سواء بين الحزبين الكرديين نفسيهما—الديمقراطي والاتحاد الوطني—أو بين بعض القوى السنية التي ترغب في استعادة المنصب. ورغم ذلك، يرجّح العديد من المتابعين أن يفضي التنسيق التقليدي بين أربيل والسليمانية إلى تفاهمات تمنع تفجر أزمة داخل البيت الكردي، مع بقاء الحلبوسي بعيداً عن موقع متقدم في المرحلة المقبلة.

ويظل البعد الإقليمي حاضراً بقوة في خلفية المشهد، فعودة الغالبية الشيعية إلى كنف الإطار التنسيقي تعني، وفق الخبراء، أن طهران تستعيد جزءاً كبيراً من نفوذها في بغداد إلا أن هذا النفوذ يُتوقع أن يُمارس ضمن مقاربة أقل توتراً، مع الحرص على عدم خسارة التفاهمات مع واشنطن، خصوصاً في ظل حاجة بغداد لرئيس وزراء قادر على الحفاظ على توازن العلاقات بين الطرفين، والعمل وسيطاً عند الضرورة.

ومع أن التنافس محتدم، إلا أن معالم المشهد لا توحي بأزمة سياسية مفتوحة، بل بعملية تفاوض معقدة لكنها مضبوطة بسقوف مرسومة مسبقاً، فالقوى الكردية والسنية تتطلع إلى المشاركة في الحكومة، والإطار التنسيقي يسعى إلى استثمار تفوقه العددي دون تفجير اصطفافات مضادة، فيما يبقى القضاء، كما يرى بعض المحللين، اللاعب الهادئ الذي أمسك بمفاصل القرار بعد حل البرلمان السابق.

ويبدو العراق على ضوء ما سبق، على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، يغلب عليها الصراع على النفوذ أكثر من التنافس البرامجي، وتتحكم بها توازنات البيت الشيعي والتفاهمات الكردية–السنية، ضمن مشهد لا يزال مفتوحاً على مفاوضات ستحدد شكل السلطة في السنوات المقبلة.