تطمينات وزارة المالية العراقية لا تبدد المخاوف من تأخر الأجور
بغداد – رغم مسارعة وزارة المالية العراقية لنفي الأنباء المتداولة حول العجز عن تأمين رواتب الشهر المقبل، إلا أن هذا النفي لم ينجح في تبديد هواجس الشارع الذي بات يربط بشكل وثيق بين قوت يومه وبين تعقيدات المشهد السياسي المتأزم.
وقالت الوزارة في بيان الجمعة إنّ "المعلومات التي أشارت إلى أزمة مالية خانقة عارية عن الصحّة تماماً"، مؤكدةً أن الرواتب مؤمنة بالكامل ويجري صرفها وفق السياقات الزمنية المعتمدة. وحذرت الوزارة مما وصفته بـ"المنصات المغرضة" التي تستهدف زعزعة الاستقرار النفسي للمواطنين عبر التشكيك في الملاءة المالية للدولة.
في المقابل، تستند مخاوف ملايين الموظفين والمتقاعدين إلى معطيات واقعية تجعل من "الطمأنة الحكومية" مجرد مسكنات مؤقتة أمام أزمة هيكلية أعمق، حيث يواجه البنك المركزي ضغوطاً متزايدة لتوفير الكتلة النقدية اللازمة لتغطية الفاتورة الشهرية، وسط تعقيدات في حركة التحويلات الخارجية والسياسة النقدية المتبعة لتطويق التضخم.
ويلقي تعثر تشكيل الحكومة بظلال قاتمة على المشهد الاقتصادي؛ فغياب موازنة عامة لعام 2026 يحول الإنفاق الحكومي إلى نظام (1/12) التقشفي، وهو نظام صُمم لتسيير الأعمال اليومية، ولا يمكنه الصمود طويلاً أمام التوسعات الهائلة في ملف التوظيف الحكومي.
وتحول ملف الرواتب إلى معضلة بعد سنوات من التوظيف العشوائي والتعاقدات التي غلب عليها الطابع السياسي الانتخابي، مما رفع الكلفة الإجمالية للأجور إلى مستويات "حرجة" تلتهم الجزء الأكبر من الإيرادات النفطية.
ولا يقف استمرار الجدل حول الرواتب عند حدود القلق الفردي، بل يمتد أثره ليشمل عدة قطاعات من بينها التجارة، إذ عادة ما يؤدي مجرد تداول أنباء عن تأخر صرف الأجور إلى ركود فوري في الأسواق، حيث يسود الحذر ويحجم المواطنون عن الإنفاق الاستهلاكي، ما يدفع القطاع الخاص نحو الكساد.
ويكرس تكرار هذه الأزمات عند كل منعطف سياسي القناعة بهشاشة الاقتصاد، ويفقد المواطن ثقته في ديمومة الأمان الوظيفي. ويرى خبراء أن الدولة العراقية باتت تنفق لتعيش يوماً بيوم، وأي تذبذب في أسعار النفط أو عرقلة في سلاسل تدفق السيولة سيعني اصطداماً مباشراً مع الالتزامات الاجتماعية.
ويبقى ملف الأجور "الترمومتر" الحقيقي لاستقرار الدولة وهيبتها. وبينما تنجح وزارة المالية في إطفاء "حرائق الشائعات" مؤقتاً، يظل الحل الجذري مرهوناً بفك عقدة الانسداد السياسي، والانتقال من "اقتصاد الرواتب" إلى اقتصاد الإنتاج، ومعالجة التضخم الوظيفي الذي بات يهدد الاستدامة المالية للبلاد ككل.
ويمكن القول إن العجز عن تنويع مصادر الدخل في العراق ليس مجرد فشل اقتصادي، بل هو تهديد وجودي لمنظومة الدولة. فالاعتماد على النفط بنسبة تتجاوز 95 بالمئة من الإيرادات جعل من ميزانية الرواتب رهينة لتقلبات أسواق الطاقة العالمية وللمزاج السياسي الدولي.
وأدى تدفق الأموال النفطية إلى إهمال قطاعات الإنتاج الحقيقي (الزراعة والصناعة)، مما جعل العراق بلداً مستهلكاً يستورد كل شيء من الخارج، بما في ذلك أبسط السلع الغذائية. وبدلاً من أن يكون القطاع الخاص هو المحرك للتوظيف، أصبح "هامشياً" يعتمد على العقود الحكومية، مما دفع الشباب نحو الهجرة إلى الوظائف الحكومية بحثاً عن الأمان، وهو ما فاقم التضخم الوظيفي.