تطوير عسكري متسارع يعزز حماية الأقاليم الجنوبية للمغرب

المغرب يسعى عبر قاعدة بئر أنزران إلى الانتقال من منطق الدفاع التقليدي إلى نموذج يعتمد على الردع المتحرك والاستجابة السريعة مدعوماً بالتكنولوجيا المتقدمة.

الرباط - يعزز المغرب قدراته الدفاعية من خلال تسريع تطوير القاعدة الجوية بئر أنزران، مع توجه استراتيجي لإعادة توزيع المنشآت العسكرية بعيدا عن المناطق الحضرية، بهدف تحسين الجاهزية العملياتية وتعزيز سرية التحركات الدفاعية، ضمن مقاربة ترتكز على المرونة والتكنولوجيا الحديثة.

ومن المرتقب أن تتحول القاعدة إلى أحد المراكز المحورية في المنظومة الأمنية بالأقاليم الجنوبية، مع مسار تحديث المنظومة الدفاعية وتعزيز الحضور الأمني للمملكة في عمقها الإفريقي، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء.

وأفادت مصادر مطلعة، أن القاعدة الجديدة ستستقبل تدريجيا وحدات عسكرية كانت متمركزة في مناطق أخرى مثل الداخلة، خصوصا الوحدات المرتبطة بالطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة الجوية، في إطار تعزيز القدرات الاستطلاعية.

ويعني ذلك أن القاعدة ليست فقط منشأة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى بنية متقدمة متعددة الوظائف. انتقلت من مطار محدود مخصص للمروحيات إلى قاعدة قادرة على استقبال طائرات مقاتلة وطائرات بدون طيار ومروحيات هجومية متطورة. كما أن توفرها على مدرج يتجاوز طوله ثلاثة كيلومترات يعزز قدرتها على استيعاب مختلف أنواع الطائرات، بما فيها الثقيلة .

موقع القاعدة الجوية الجغرافي قرب مدينة الداخلة يمنحها بعداً استراتيجياً يسمح بتوسيع نطاق المراقبة الجوية للمناطق الحدودية

وتكمن أهمية هذه القاعدة في موقعها الجغرافي قرب مدينة الداخلة، وهو موقع يمنحها بعداً استراتيجياً يسمح بتوسيع نطاق المراقبة الجوية وتأمين تغطية مستمرة للمناطق الحدودية، بما في ذلك المحاور القريبة من موريتانيا باتجاه منطقة الساحل. فالمغرب يسعى من خلال هذا المشروع إلى الانتقال من منطق الدفاع التقليدي إلى نموذج يعتمد على الردع المتحرك والاستجابة السريعة، مدعوماً بتكنولوجيا متقدمة مثل الطائرات المسيّرة وأنظمة الرصد الحديثة .

ويعكس تطوير القاعدة الجوية بئر أنزران تحوّلاً نوعياً في العقيدة العسكرية المغربية، يقوم على الجمع بين التحديث التكنولوجي والتموقع الجيوستراتيجي. وهو ما لا يعزز فقط أمن الأقاليم الجنوبية، بل يرسخ أيضاً مكانة المغرب كقوة إقليمية فاعلة في ضمان الاستقرار في غرب إفريقيا والساحل.

وعلى المستوى الإقليمي، يندرج تطوير القاعدة ضمن رؤية أوسع لتعزيز دور المغرب كفاعل أمني محوري في إفريقيا. إذ تتيح هذه المنشأة دعم العمليات المرتبطة بمكافحة الإرهاب، والتصدي لشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، وهي تحديات متزايدة في منطقة الساحل. كما يُتوقع أن تلعب القاعدة دوراً في سد الفراغ الأمني الذي خلفه تراجع بعض التواجد العسكري الأجنبي في المنطقة، ما يعزز من مكانة المغرب كشريك موثوق في الأمن الإقليمي .

ولا يمكن فصل هذا التطور عن تنامي الشراكة العسكرية بين المغرب وحلفائه الدوليين، خاصة الولايات المتحدة، حيث يُنظر إلى القاعدة كبنية قابلة للاندماج في برامج التعاون الدفاعي والتدريب المشترك، ما يمنحها بعداً دولياً يتجاوز حدودها الوطنية .

ويرى خبراء أن قاعدة "بير أنزران" مرشحة لتكون بديلا استراتيجيا لقاعدة "أغاديز" في النيجر التي انسحبت منها القوات الأميركية سنة 2024.

في المقابل، تؤكد مصادر مطلعة أن هذه المشاريع تظل ذات طابع وطني صرف، وتهدف أساسا إلى دعم السيادة الوطنية وتطوير منظومة الدفاع الجوي، دون أي أبعاد خارج الإطار الاستراتيجي الداخلي.

وبهذا، يواصل المغرب تنفيذ خطة تحديث عسكرية تعتمد على التكنولوجيا والتخطيط الاستباقي، بما يعزز قدراته الدفاعية ويواكب التحولات المتسارعة في محيطه الإقليمي.

ومنذ أن تولى عبداللطيف الحموشي مهامه على رأس المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، عرفت المقاربة الأمنية بالمملكة نقلة نوعية قائمة على النجاعة، والذكاء الاستباقي، والاحترام الصارم لحقوق الإنسان. فقد تمكنت الأجهزة المغربية من إحباط عشرات المخططات الإرهابية، وتفكيك شبكات إجرامية عابرة للحدود، وتحصين الجنوب المغربي من أي اختراق أو تهديد، بفضل سياسة أمنية تقوم على الاحتراف والانفتاح والتقاطع الاستخباراتي المتقدم.