واشنطن: لا شريك أفضل من المغرب لاحتضان 'الأسد الأفريقي'
واشنطن – يشكل تمرين "الأسد الإفريقي" واحدا من أبرز المناورات العسكرية متعددة الجنسيات في القارة الإفريقية، من حيث حجم القوات المشاركة ونوعية التدريبات، وتأتي تصريحات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بشأن عدم وجود "شريك أفضل" من المغرب لاحتضان هذه المناورات، لتؤكد المكانة التي تحتلها الرباط في العقيدة الأمنية والعسكرية الغربية، خاصة في إفريقيا ومنطقة الساحل.
وقال هيغسيث، في مداخلة عبر الفيديو، خلال حفل أقيم الخميس بمقر قيادة أركان الحرب للمنطقة الجنوبية بأكادير، على شرف الدول المشاركة في الدورة الثانية والعشرين من مناورات "الأسد الإفريقي"، إنه "اليوم، وفي إطار النسخة الثانية والعشرين من مناورات "الأسد الإفريقي"، أود أن أتوجه بشكر خاص إلى مضيفنا، المملكة المغربية، على التزامها الاستثنائي والمتواصل تجاه هذا التمرين."
ويعكس التمرين الثقة الأميركية المتزايدة في المغرب باعتباره حليفا استراتيجيا مستقرا في منطقة مضطربة. فالمملكة تمتلك موقعا جغرافيا محوريا يربط إفريقيا بأوروبا والمحيط الأطلسي بالمتوسط، إلى جانب خبرة متراكمة في مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني الدولي، ما يجعلها شريكا أساسيا في الاستراتيجية الأميركية داخل القارة الإفريقية.
وأشار هيغسيث إلى أن "الأسد الإفريقي يساهم في تعزيز الجاهزية القتالية، وتحسين قابلية التشغيل البيني، وزيادة قدرتنا على مواجهة التحديات الأمنية بشكل مشترك، مع القضاء على الملاذات الآمنة للجماعات الإرهابية، لكننا ندرك أن هذه المعركة ليست ثابتة، فالتهديدات التي نواجهها تتطور بسرعة، وعلينا أن نسبق خصومنا من خلال جهودنا الابتكارية."
النسخة الحالية من التمرينات تشكل مختبرا للابتكار من خلال إدماج الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات الرقمية
وتنظم المناورات سنويا بشراكة بين القوات المسلحة الملكية المغربية والقيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا "أفريكوم" ومشاركة عشرات الدول من إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، وتشمل تدريبات ميدانية وجوية وبحرية، إلى جانب محاكاة للتعامل مع التهديدات الإرهابية والكوارث الإنسانية والحروب غير النظامية.
وتبرز أهمية هذه المناورات في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل والصحراء، حيث تنشط الجماعات المتطرفة وشبكات تهريب السلاح والهجرة غير النظامية، فضلا عن التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في إفريقيا. وفي هذا السياق، يوفر "الأسد الإفريقي" منصة لتنسيق الجهود العسكرية والاستخباراتية بين الدول المشاركة، بما يعزز القدرة الجماعية على مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
واعتبر الوزير الأميركي أن "هذه المناورات ليست مجرد تمرين تدريبي، بل هي منصة للابتكار، فهي تتيح لنا استكشاف حلول وتقنيات جديدة بشكل جماعي لتعزيز قدراتنا القتالية في ميدان المعركة"، مبرزا أن النسخة الحالية تشكل مختبرا للابتكار، من خلال إدماج الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتقنيات الرقمية من الجيل الجديد ضمن سيناريوهات عملياتية متعددة المجالات.
وأكد على أن رسالة "الأسد الإفريقي 2026" واضحة إلى كل من يسعى إلى زعزعة استقرار هذه القارة، "فإن عزيمتنا المشتركة لا تنكسر، وقدراتنا في تطور مستمر، ونحن مستعدون للدفاع عن مصالحنا المشتركة."
وعلى المستوى العسكري، يتيح هذا التدريب للمغرب فرصة مهمة لتطوير جاهزية قواته المسلحة عبر الاحتكاك المباشر بجيوش متقدمة واستخدام تقنيات وتكتيكات حديثة في مجالات الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والعمليات الخاصة. كما يساهم في تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الجيش المغربي والقوات الغربية، خصوصا الأميركية، وهو ما يرفع من كفاءة المؤسسة العسكرية المغربية وقدرتها على مواكبة التطورات التكنولوجية والعسكرية العالمية.
ويعزز احتضان المغرب لهذا التمرين الضخم يعزز صورته كقوة إقليمية موثوقة وشريك أمني محوري في شمال إفريقيا والساحل. ويمنح الرباط زخما إضافيا في علاقاتها مع واشنطن وحلفائها الغربيين، خاصة في ظل الدعم الأميركي المتواصل للمغرب في عدد من الملفات الاستراتيجية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
ويحمل التمرين أيضا أبعادا اقتصادية وتنموية غير مباشرة، إذ يساهم في تنشيط البنية اللوجستية والعسكرية بالمناطق المستضيفة، كما يعزز جاذبية المغرب كشريك للاستثمارات المرتبطة بالصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الأمنية. وقد أصبح المغرب خلال السنوات الأخيرة يسعى إلى تطوير قاعدة صناعية عسكرية محلية، مستفيدا من شراكاته الدفاعية الدولية ومن موقعه كمنصة للاستقرار في المنطقة.
من جانبه، جدد الفريق أول، محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، قائد المنطقة الجنوبية، تأكيد عزم المغرب على مواصلة تثمين المكتسبات المحققة، حتى تظل مناورات "الأسد الإفريقي" إطارا متجددا يهدف إلى ترسيخ الجاهزية، وتعميق الشراكات، وتطوير روح العمل الجماعي لمواجهة تحديات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل، في الفضاء الإفريقي والمتوسطي والأطلسي.
كما ذكر بأن سنة 2027 ستتزامن مع تخليد الذكرى الـ250 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية والولايات المتحدة، مبرزا أن نسخة 2027 من هذه المناورات ستكتسي بذلك بعدا رمزيا عميقا ودلالة خاصة، تجسد متانة روابط الصداقة التي تجمع البلدين.
من جهته، أكد الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم)، أن "الأسد الإفريقي يعد التمرين العسكري المشترك ومتعدد المجالات والجنسيات الأبرز في إفريقيا، ويوجه رسالة واضحة لا لبس فيها مفادها أن التزامنا المشترك من أجل إفريقيا آمنة ومزدهرة ليس مجرد وعد، بل قوة موحدة وجاهزة وعازمة على تحويله إلى واقع ملموس."
وفي ظل التغيرات المتسارعة التي تعرفها البيئة الأمنية الإقليمية، يبدو أن مناورات "الأسد الإفريقي" لم تعد مجرد تدريبات عسكرية دورية، بل تحولت إلى رسالة استراتيجية تؤكد صعود المغرب كفاعل محوري في الأمن الإفريقي والمتوسطي، وكحليف موثوق للولايات المتحدة في إدارة التحديات الأمنية والجيوسياسية المتنامية في القارة.