تغيرات جيوسياسية تعيد الدوحة للساحة السورية من بوابة 'ائتلاف الثورة'

استقبال السلطات القطرية رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وتأكيدها دعم الجهود الدولية الرامية لحل أزمة سوريا يهدف إلى نفض الغبار عن دبلوماسيتها المتراجعة خلال الأعوام الماضية.


قطر تسعى لاستعادة وزنها الدبلوماسي بعد عزلة قاسية ناتجة عن المقاطعة الخليجية


قطر تبحث عن إعادة التموقع بالشرق الأوسط من نوافذ التوسط في ملفات التوتر والاضطرابات

الدوحة - دفعت تغيرات سياسية عدة في الشرق الأوسط قطر مؤخرا لتنشيط دبلوماسيتها في المنطقة، حيث استقبلت بداية الأسبوع رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية نصر الحريري، في خطوة جاءت بعد تحرك السلطات القطرية أولا باتجاه إيران ثم لبنان على أمل استعادة حضور تراجع خلال السنوات الماضية بسبب عوامل متداخلة، من بينها انشغالها بمعالجة تداعيات المقاطعة الخليجية وغياب التواصل والانسجام مع الإدارة الأميركية السابقة.

وبعد قمة "العلا" التي أحدثت انفراجة هامة فتحت للدوحة مجالا لتنشيط سياساتها المتراجعة لاسيما مع انشغال المنطقة العربية في اضطرابات متناثرة ومواجهتها لأزمة انتشار فيروس كرونا، تبحث قطر عن إعادة للتموقع وتحاول استعادة ثقلها السياسي بالمنطقة العربية، مستغلة أيضا عوامل أخرى من بينها تغير الإدارة الأميركية بصعود الرئيس جو بادين باعتبار أن الرئيس السابق دونالد ترامب لازم سياسية مسايرة حلفائه الخليجيين وكان باردا في علاقته مع السلطات القطرية آنذاك.

وتسعى قطر لاستثمار المناخ الدولي والإقليمي المتغير وخاصة التغيرات المذكورة  لنفض الغبار عن دبلوماسيتها وتحقيق مكاسب سياسية واستعادة حضورها في المنطقة من بوابات المناطق المضطربة والمتأزمة ومن منافذ ملفات التوتر في الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار أكد وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني الاثنين، دعم بلاده للجهود الدولية الرامية إلى التوصل لحل سياسي للأزمة السورية.

جاء ذلك خلال لقائه مع نصر الحريري، على هامش زيارة يجريها الأخير للدوحة غير محددة المدة، وفق وكالة الأنباء الرسمية.

وقال الوزير القطري إن بلاده "تدعم الجهود الدولية الرامية إلى التوصل لحل الأزمة السورية، على أساس قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، لا سيما القرار رقم 2254".

وتطرق اللقاء بين الجانبين إلى "استعراض علاقات التعاون الثنائي، ومناقشة الشأن السوري"، حسب المصدر ذاته.

والتفتت قطر إلى الأزمة السورية بعد أن سعت قبل أيام قليلة إلى طرحها نفسها كوسيط في أزمة الملف النووي الإيراني مراهنة في ذلك على علاقتها الجيدة مع إيران، ليتضح أن حجمها وموقعها ووزنها السياسي لا يمنحاها فرصة حجز مكانة في هذا الملف المعقد، كما أن فرض حضورها في لبنان لا يقل صعوبة عن محاولتها الوساطة في الأزمة النووية.

ورأى محللون أن زيارة وزير الخارجية القطري الأخيرة لطهران، تأتي في سياق الترتيبات الدبلوماسية لدور إقليمي محتمل تمهيدا لمحاولة التوسط بين الفرقاء السوريين، بينما تقف أنقرة والدوحة من جهة وإيران من جهة ثانية على طرف نقيض من الأزمة السورية، لكن التقارب بين الدوحة وطهران قد يصل في النهاية إلى حل بمنطق المصالح المشتركة بين الطرفين.

وتسير الدوحة على خطى أنقرة في لعبة التمدد الناعم بالمنطقة عبر تكثيف النشاط الدبلوماسي واستثمارها في الدول التي اضطرابات أمنية وحروب.

وزن قطر السياسي لا يمنحعا فرصة التوسط في أزمة الملف النووي الإيراني
وزن قطر السياسي لا يمنحعا فرصة التوسط في أزمة الملف النووي الإيراني

قاد الاصطدام بصعوبة التوسط في أزمة الملف النووي والأزمة اللبنانية العميقة، قطر إلى البحث عن منفذ آخر تنشط عبره دبلوماسيتها المتراجعة، ورأت السلطات القطرية على ما يبدو في سوريا المنفذ الأقرب لإحياء دورها في المنطقة، باعتبار أنها لعبت دورا هاما في العام 2015 بالأزمة السورية من خلال دعم قوى المعارضة ماليا وسياسيا وإعلاميا، قبل أن ينخفض ذلك الدعم جراء تغير الأوضاع والتفاتها لمعالجة أزماتها الاقتصادية والسياسية التي بدأت عام 2017 بسبب المقاطعة الخليجية.

وتسعى الدوحة في إعلان دعمها مجددا للمعارضة السورية لاستغلال حالة الضعف والانهيار التي يعانيها النظام السوري مؤخرا على وقع أزمة مالية واقتصادية تهدد بانفجار شعبي داخل مناطق سيطرته وفي صفوف مؤيديه بسبب سياساته الفاشلة التي جعلت من السوريين اليوم من أفقر الشعوب وأكثرهم معاناة، حيث لا يتعدى معدل الدخل السنوي للمواطن السوري على سبيل المثال في مناطق النظام 500 دولارا وهو الأقل في العالم حاليا، فيما يستنزف النظام ميزانية الدولة في تمويل عملياته العسكرية لحفظ بقائه.

وتعيش سوريا منذ العام 2011 حربا عنيفة تسببت في مقتل مئات الآلاف وشردت ملايين السكان إلى بقاع مختلفة من العالم، فيما تواصل الجهود الدولية دفع عملية السلام بين السوريين لوقف معاناتهم.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2015، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2254، بالموافقة على خطة لوقف إطلاق النار في سوريا، وإجراء محادثات بين النظام والمعارضة، وتشكيل حكومة وحدة، وإجراء انتخابات في البلد العربي المأزوم.

وضمن مسار العملية السياسية شكلت الأمم المتحدة "اللجنة الدستورية" لصياغة دستور جديد، بعضوية مقسمة بين النظام والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني (50 عضوا لكل منها)،

وعقدت 5 جولات سابقة لكنها لم تسفر عن أية نتائج حتى الآن.
ومنتصف فبراير/شباط الجاري، عقد اجتماع رفيع بشأن سوريا "أستانة-15" بمدينة سوتشي الروسية، بعد فشل محادثات اللجنة في الاجتماع الخامس بمدينة جنيف السويسرية قبل نحو شهر، وما تبعه من تحميل المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، النظام مسؤولية هذا الفشل.