تفاهمات ترامب وطهران.. حين يوقّع الخاسر وثيقة النصر

الإطار الحالي يمنح طهران "شرعية دولية وإقليمية" كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط وربط مسارات التفاوض مع لبنان هو اعتراف أميركي وغربي رسمي بوجود إيران هناك وبأن مفاتيح الحل والربط في هذه الجبهات تمر عبرها مباشرة.

قبل ساعات من تحديد مصير إطار التفاهم الذي سيتم توقيعه، بين إيران والولايات المتحدة، ما زال التضارب هو سيد الموقف حول كل ما تم تسريبه. والشيطان دائماً يكمن في التفاصيل، وربما تفوق الشياطين بنود التفاهمات المعلنة.

تكمن أهمية الوثيقة بالنسبة للطرفين في أن بنودها ستمثل دليلاً على النصر وقّعه الطرف الخاسر، وهو ما يجعل الاتفاق حتى على تفاصيل ما يُنشر منها أمراً بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن ما صرّح به وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يقترب كثيراً من البنود التي أعلنتها طهران ولم تنفِ واشنطن معظمها. وتشير هذه البنود إلى أن كل ما هو متعلق بالبرنامج النووي الإيراني سيتم بحثه خلال مفاوضات الـ 60 يوماً.

وقف القتال على كافة الجبهات، تعهد أميركي باحترام السيادة الإيرانية وسحب قواتها من المحيط الإيراني، تعليق عقوبات بيع النفط، تمكين طهران من الوصول لمواردها المالية، وتحرير 24 مليار دولار من الأموال المجمدة، على أن تتسلم نصفها مع بدء التفاوض، بدء رفع الحصار البحري. في المقابل فتح مضيق هرمز بترتيبات إيرانية، والتزام طهران بعدم إنتاج أسلحة نووية، تشكيل آلية لمراقبة الاتفاق، وأخيراً مصادقة الأمم المتحدة على الاتفاق النهائي.

وبناءً على المعطيات المتوفرة، يمكن القول إن مذكرة التفاهم ربما هي الأفضل والأكثر فائدة لإيران تاريخياً لأسباب استراتيجية عديدة منها، أن اتفاق 2015، كان يرى إيران كـ"ملف أمني" يجب تحجيمه وعزله عن محيطه، ولم يمنح النظام اعترافاً بدور إقليمي بل تعامل معه كحالة معزولة.

الإطار الحالي يمنح طهران "شرعية دولية وإقليمية" كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط. وربط مسارات التفاوض مع لبنان هو اعتراف أميركي وغربي رسمي بوجود إيران هناك وبأن مفاتيح الحل والربط في هذه الجبهات تمر عبرها مباشرة.

ويمنحها كذلك اعترافاً ضمنياً بدور إداري وأمني على أقل تقدير في مضيق هرمز، وهو ما أكسبها ورقة قوة جيوسياسية هائلة تجعل من أمن الطاقة العالمي مرتبطاً بالتنسيق المباشر معها، وهذا مكسب استراتيجي يفوق بكثير قيمة التنازل عن بضع مئات من الكيلوغرامات من اليورانيوم، فيما اتفاق 2015، لم يغير من الواقع القانوني أو العسكري للمضيق.

هناك بعض القضايا التي لم تتطرق إليها التسريبات المتعلقة ببنود اتفاق التفاهم، مثل ملف الصواريخ الباليستية. كما أن قضايا أخرى لم يُكشف عن تفاصيلها، منها تسليم 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب وقبول "فترة تجميد"، ما يعني أن إيران لم تفكك منشآتها، أو تغلق أجهزة الطرد المركزي المتطورة، ولن تفقد "المعرفة العلمية"، فالتجميد هو إجراء مؤقت يمكن التراجع عنه سريعاً إذا نقضت واشنطن العهد، لكن البنية التحتية والقدرة على العودة للتخصيب العالي تظل قائمة ومحمية بموجب الاتفاق.

في مقابل هذا التجميد المؤقت والتسليم، تحصل إيران على حزمة فورية وحيوية، مثل رفع العقوبات، إنهاء الحصار البحري العسكري الذي كان يشنق اقتصادها ومبيعاتها النفطية، والتدفق التدريجي للأموال المجمدة. هذا يعطي النظام قبلة حياة اقتصادية قوية داخلياً، ويسمح له بإعادة ترتيب أوراقه داخلياً وخارجياً.

المذكرة المطروحة حالياً ليست اتفاقاً نهائياً، بل هي مجرد "إطار للدخول في مفاوضات" تمتد لـ 60 يوماً. المشكلة الأساسية هي أن طهران تتذكر جيداً انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، وبالتالي فإنها تبحث عن ضمانات "ملموسة ومسبقة"، في حين ترى واشنطن أن هذه التنازلات يجب أن تكون تدريجية ومجزئة بناءً على السلوك الإيراني، بمعنى أدق كل التزام إيراني ستقابله مكافأة. هذا التناقض يجعل استمرار المفاوضات بعد التوقيع مهدداً بالانهيار عند أي اختلاف تفصيلي.

منظور تل أبيب يرى أن أي تفاهم لا يتضمن تفكيكاً كاملاً وفورياً للبنية التحتية النووية الإيرانية هو بمثابة "منح وقت" لطهران لالتقاط الأنفاس وتخفيف الضغط الاقتصادي عنها. التسريبات الحالية التي تشير إلى تركيز ترامب على إعادة فتح مضيق هرمز ووقف التصعيد العسكري المباشر، دون شروط حاسمة فورية بشأن تفكيك المفاعلات أو الصواريخ الباليستية، تعزز المخاوف الإسرائيلية من أن واشنطن تقدم تنازلات سريعة لتأمين مصالحها التجارية والانتخابية.

وتصريح بنيامين نتنياهو بأنه "طالما بقي رئيساً للوزراء فلن تمتلك إيران سلاحاً نووياً"، يحمل رسالة مزدوجة: من جهة، هو يحاول إظهار التوافق مع ترامب عبر بيانات مكتبه التي تتحدث عن شكر واشنطن على "التزامها" بأن يشمل الاتفاق النهائي تفكيك القدرات النووية ووقف دعم الفصائل، وهي محاولة سياسية للحفاظ على الزخم والتأثير في القرار الأميركي.

من جهة أخرى، تعكس كواليس القرار الإسرائيلي (مثل تسريبات اجتماعات الحكومة الأخيرة) قلقاً عميقاً، حيث أكد نتنياهو صراحة لترامب في اتصالهما الأخير أن إسرائيل "لن تكون ضحية هذا الاتفاق"، مما يعني أن تل أبيب تحتفظ بنوع من الاستقلالية الاستراتيجية.

يمتلك نتنياهو أدوات متعددة لإفشال هذا المسار أو عرقلته، سواء عبر التصعيد العسكري والأمني المباشر (مثل استمرار ضرب أهداف تابعة لإيران أو حلفائها في لبنان وسوريا)، أو من خلال تفعيل قنوات الضغط داخل الكونغرس الأميركي لإظهار ترامب بمظهر من قدم تنازلات مجانية لـ"محور المقاومة". حدوث أي ضربة إسرائيلية نوعية خلال فترة الـ 60 يوماً المقترحة للمفاوضات كفيل بدفع طهران إلى الانسحاب فوراً، مما يعيد المشهد إلى نقطة الصفر.

على الرغم من التصريحات المتفائلة في الولايات المتحدة، تؤكد إيران أنه لم يتم تحديد جدول زمني محدد بعد لتوقيع أي تفاهمات. بينما انتهت معظم القضايا، فإنه لا يمكن لأحد الجزم بأن توقيع الاتفاقية حدث وشيك، خاصة في ظل السلوك السياسي غير المتسق في الولايات المتحدة، فالاتفاقات التي تُبنى في ظل غياب كامل للثقة والضمانات المتبادلة تظل هشة، لا سيما عندما تتقاطع مع مصالح أطراف إقليمية ترى في هذا التفاهم تهديداً وجودياً لها كإسرائيل.

بناءً على ذلك، يظل التوقيع على إطار التفاهم خطوة أولى سهلة مقارنة بماراثون المفاوضات اللاحق، حيث ستحاول إسرائيل جاهدة وضع شروط تعجيزية أمام الإدارة الأميركية لضمان ألا يؤدي هذا المسار إلى تثبيت إيران كدولة عتبة نووية معافاة اقتصادياً. من جانب آخر، تظل المذكرات الشارحة لبنود الاتفاق بمثابة قنابل موقوتة لأن كل بند فيها قد يخفي شيطاناً قادراً على نسف ما سيتم التوصل إليه.