تنوير القصة القصيرة

القصة القصيرة الناضجة هي التي تجذبك من سطورها الثلاثة الأولى، وهي التي تعيد قراءتها مرة ومرات من غير ملل.


المفارقة تشكل طبق الدهشة الذي يلذ بمذاقه القارئ


لا يجب أن أقرأ القصة فلا أكاد أميز بينها وبين المقالة

تعد قصة القوس "نصف الدائرة" الشكل الأصيل للقصة القصيرة، والتي تسمي أيضًا القصة الموباسنية نسبة إلى موياسان أحد مؤسسي القصة القصيرة الكبار بروائها الفني المعاصر، وهي طريقة مقدرة ترى الحكي قلب القص الفني.
ويجري تشكيل المنحي الفني للقصة في هذا النوع عبر تماسك الحدث، ووجود بداية وتصعيد درامي وخاتمة تحتوي لحظة التنوير، وليست هي لحظة تفكيك تشبيك خيوط القصة، أو لحظة الحل لأزمة القصة أو وضع نهاية محتومة لتصعيدها الدرامي، بل تعني في الإساس إستيفاء مغزي القصة، هذا المغزي المغزول بدقة الذي يبث الروح في الحدوتة لتصبح كائنًا فنيًا، لذلك لا يجب إضافة حرف واحد بعد إشباع لحظة التنوير في القصة وكشفها، ثقة بذكاء القارئ، وتغذية لمفهوم القارئ الذي يشارك القاص تأليف القصة وتدوير المعني، ومضاعفة إحساسه بالمتعة بقراءة ما بين السطور بعد أن يمنحه القاص مفاتيح الولوج إلى ما ورائها فيما يسمي النصوص الغائبة. 
يقول محمود البدوي - الذي أوقف حياته علي القصة القصيرة - : "يجب أن تكون لحظة التنوير في القصة واضحة، وأن تتمتع بخاصية التركيز، وأن يبتعد كاتبها عن الاستطراد أو الإسهاب وكثرة الوصف. لا يجب أن أقرأ القصة فلا أكاد أميز بينها وبين المقالة، القصة القصيرة الناضجة هي التي تجذبك من سطورها الثلاثة الأولي، وهي التي تعيد قراءتها مرة ومرات من غير ملل".
ويعانق "لحظة التنوير" المفارقة التي يجسدها معني "خيبة أفق توقع القارئ"، والخيبة للأفق بينما المتعة للقارئ حيث تحقيق المسافة الجمالية باكتشاف تلك الفجوة بين مسار للحكي يتوقعه القارئ والتحقيق القصصي بلحظة التنوير، إن المفارقة تشكل طبق الدهشة الذي يلذ بمذاقه القارئ، وهي وسيلة لحصاد مغزي القصة أو طبق الدهشة الذي ليس هدفًا للقاص في حد ذاته إلا لكونه يقدم فيه "المغزى".
وتتنوع مقاصد استيفاء لحظة التنوير فقد تقارب الأمثولة حيث أنسنة "غير الإنسان" حين فقد الإنسان، ومن أفق هذا الوعي تحضر لحظة الإبدال برواء نفسي، أو ما يسمي بالقوس العاطفي حيث إبدال السلوك والقيم للشخصيات القصصية، حيث مفهوم الحدث يعني الشخصية وهي تعمل، فهي حركة تكشف السلوك وتشكل التغيير أو المفارقة. وقد توغل قصص أخرى في لحظة الإبدال والتحول لدرجة الاشتعال، وكلما أوغلت القصة في التقطير وأسرعت إلى البرق في القصص الوامضة، كلما كانت لحظاتها مشتعلة يحدوها القول الأشهر للنفري "إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، هي لحظة الكشف والوعي بدقة الإبدال، وترويع المفارقة.
ويمكن أن يكون نمط لحظة التنوير ذا دلالة غير منتهية بخاتمة واخزة للقارئ، بمعني أنه لم تحل المشكلة، ولم يتم إغلاق الحبكة، بل إيداع حالة التوتر وتوهج الأزمة، لتشير فكرة القصة لوجوب الفعل والمبادرة في أفق الواقع للإنجاز والتشبث بطوق نجاة، التنوير هنا لم يكن إذابة للألم وتحطيمًا للمشكلة، بل بعثها سرمدية لتظل في وعي التلقي دافعًا للتغيير.
وتبدو لحظة التنوير رائعة، تقتني من اسمها نصيب حيث تحقق ما قاله روجر ب. هينكلي عن القصة أإنها: "يجب أن تكون وسيلة إدراك معرفي، بمقدورها أن تزودنا برؤية صحيحة في عالم الحياة والأحياء والعلاقات الإنسانية تفوق في قدرتها علي التأثير فينا ما يمكن أن نحصله من علم الاجتماع والتاريخ والنفس والإنسان". إنها اللحظة "الكنز" في القصة القصيرة إليها يسعي القاص ويحفد.