تونس تطوي صفحة بن علي مثقلة بتركة عقدين من الاستبداد

أيا كانت المواقف من بن علي فإنه يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ تونس بدأت بانقلاب أبيض على بورقيبة وانفتاح على الإسلاميين قبل الصدام معهم، لينتهي به المطاف بعد 23 سنة في الحكم منفيا في السعودية أين توفي عن عمر 83 عاما.



وفاة بن علي تقطع مع الماضي ولا تقطع مع مرحلة تاريخية من حكمه


التونسيون يستذكرون بن علي بين الانجازات والحكم الاستبدادي


وفاة بن علي تثير سجالات على مواقع التواصل الاجتماعي


تونس - طوت تونس اليوم الخميس صفحة من تاريخها بإعلان وفاة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في منفاه بالسعودية بعد نحو ثماني سنوات من مغادرته الأراضي التونسية كرها تحت وطأة احتجاجات شعبية، لتفتح صفحة أخرى قد تخوض في ماضي الرجل الذي حكم تونس بقبضة من حديد على مدى أكثر من عقدين.

وأثارت وفاته سجالات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي بين من طلب له الرحمة وبين من عبر عن عدم أسفه لرحيله.

وأيا كانت المواقف من بن علي فإنه يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ تونس بدأت بانقلاب أبيض على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في نوفمبر/تشرين الثاني 1987، والانفتاح على الإسلاميين قبل أن يواجههم في 1989، فيما رسمت ثورة يناير/كانون الثاني 2011 بداية نهاية عهده لينتهي به المطاف منفيا في السعودية التي توفي فيها عن عمر ناهز الـ83 عاما.

بن علي ترقى في المناصب حتى أطاح بورقيبة في انقلاب أبيض فجر السابع من نوفمبر 1987
بن علي ترقى في المناصب حتى أطاح بورقيبة في انقلاب أبيض فجر السابع من نوفمبر 1987

وفي يوليو/تموز 1988 تم تعديل الدستور لشطب المواد المتعلّقة بالرئاسة مدى الحياة وتحديد عدد الولايات الرئاسية بثلاث، مدة كل منها خمس سنوات.

وفي العام 1989 انتُخب بن علي، المرشحّ الرئاسي الأوحد، رئيسا لتونس وقد نال نسبة 99.27 بالمئة من الأصوات.

وبعد خمس سنوات انتُخب رئيسا لولاية ثانية وقد نال نسبة 99.91 بالمئة من الأصوات في اقتراع أوصل المعارضة إلى الندوة البرلمانية للمرة الأولى منذ استقلال تونس في العام 1956.

وفي عام 1995 أصبحت تونس أول بلد في الحوض الجنوبي للمتوسط يوقّع اتفاقية شراكة وتجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي (دخلت حيّز التنفيذ في العام 1998).

وفي العام 1999 فاز بن علي بولاية رئاسية ثالثة في انتخابات نال فيها نسبة 99.44 بالمئة من الأصوات.

وفي مايو/ايار 2002 عدّل بن علي الدستور بعد استفتاء أتاح له تولي الرئاسة لولاية رابعة. ونددّت المعارضة ومنظمات دولية غير حكومية ونشطاء حقوق الإنسان بحملات القمع الأمنية، وبانتهاك الحريات وبـ"تعددية صورية" وبخنق الحريات الصحافية.

وفي أواخر العام 2005 أنشأت "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" التي تألفت من ثمانية معارضين كانوا قد نفّذوا إضرابا عن الطعام دام أكثر من شهر.

وطالبت الهيئة التي ضمّت معارضين من مختلف الأطياف بما فيها حزب النهضة الإسلامي المحظور باحترام حرية إنشاء الجمعيات والتجمّع وحرية الصحافة وتحرير "السجناء السياسيين".

وفي العام 2009 انتُخب بن علي رئيسا لولاية خامسة في انتخابات نال فيها نسبة 89.62 بالمئة من الأصوات وكانت المرة الأولى التي تقل فيها نسبة المقترعين لمصلحته عن 90 بالمئة.

ثورة شعبية أنهت 23 عاما من حكم بن علي
ثورة شعبية أنهت 23 عاما من حكم بن علي

وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، أقدم البائع المتجول الشاب محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد (وسط غرب) على إضرام النار في نفسه، ما أدى إلى إطلاق حركة احتجاج شعبية على الفقر والبطالة. وتوفي البوعزيزي في الرابع من يناير/كانون الثاني.

واعتبرت حادثة البوعزيزي شرارة للثورة التي أطاحت ببن علي في نهاية المطاف، لكن سياسيين وشخصيات نقابية بارزة أكدت أن شرارة الثورة انطلقت في الحوض المنجمي بالجنوب التونسي في 2008، وهي الأحداث التي اعتبرت الأوسع والأكبر التي شهدتها تونس منذ أحداث الخبز في 1984، ومنذ وصول بن علي للحكم في 1987.

وبعد وفاة البوعزيزي سرعان ما تمدّدت التظاهرات التي رافقتها أعمال شغب إلى كل أنحاء البلاد.

في 14 يناير/كانون الثاني 2011، تجمّع آلاف المتظاهرين في تونس وفي الضواحي للمطالبة برحيل بن علي الذي فرّ إلى السعودية بعد 23 عاما من الحكم بلا منازع. وأصبح أول رئيس عربي يغادر السلطة تحت ضغط الشارع. وأوقعت الثورة 338 قتيلا وأكثر من 2100 جريح.

وعندما وصل بن علي للحكم في 1987، لم يكن مجهولا بالنسبة للتونسيين، فسنوات قبل ذلك، سطع نجمه من خلال سرعة ارتقائه في المناصب الوزارية حتى تقلد مهام رئيس الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 1987، أي قبل شهر واحد من انقلابه الأبيض على بورقيبة (1957- 1987).

وكانت تونس في تلك الفترة تعيش على وقع احتجاجات سياسية قوية يقودها الإسلاميون ممثلين في حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حاليا)، انطلقت منذ شتاء 1987 في الجامعة، قبل أن تسري عدواها إلى مختلف أرجاء البلاد.

وقبل توليه رئاسة الحكومة ووصوله الحكم، تقلد بن علي مهام وزارة الداخلية في 28 أبريل/نيسان 1986، ليدخل قيادة الحزب الاشتراكي الدستوري (الحاكم) بعد شهرين من ذلك.

وفي مايو/أيار 1987، حصل على ترقية حملته إلى منصب وزير دولة مكلف بالداخلية، تأكيدا من بورقيبة على أهمية قوات الأمن في مواجهة معارضيه من الإسلاميين.

وجاءت الترقية مكافأة له عما أظهره من حزم خلال المواجهات الدامية بين نظام بورقيبة في يناير/كانون الثاني 1978 والاتحاد العام التونسي للشغل التي أسفرات عن عشرات القتلى، وكان بن علي حينها مديرا للأمن الوطني، بتعيين من رئيس الوزراء وقتها الهادي نويرة.

ويحاول أنصاره إلى الآن القفز على سجله الحقوقي بالحديث عن المعجزة الاقتصادية التونسية التي حققها، مستندين في ذلك إلى نسب النمو الاقتصادي التي بلغت 7 بالمائة مقابل 1 بالمائة الآن، مع أن خبراء يشككون في ذلك لأن يد بن علي كانت تطول حتى المعهد الوطني للإحصاء، المؤسسة الحكومية المخولة بنشر بيانات الاقتصاد المحلي.

عائلة ليلى الطرابلسي زوجة بن علي ملاحقة قضائيا في قضايا فساد مالي وسياسي
عائلة ليلى الطرابلسي زوجة بن علي ملاحقة قضائيا في قضايا فساد مالي وسياسي

ويقول هؤلاء إن بن علي أنجز الطرقات السريعة وأكبر الملاعب في إشارة إلى ستاد رادس بالعاصمة، فيما خصص مساعدات للعائلات الفقيرة بإنشاء "صندوق التضامن الوطني"، مع أن الكثير من التقارير الإعلامية عقب الثورة أظهرت التلاعب المسجل بأموال الصندوق.

وبعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وجهت لبن علي عشرات الاتهامات بالقتل والفساد الاقتصادي ومحاباة عائلته وعائلة زوجته، مما جعل المحاكم التونسية تصدر بحقه أحكاما غيابية بالسجن لعشرات السنين.

ولم ينفع بروز تيارات سياسية تدعو لعودته مثل الحزب الدستوري الحر الذي تقوده عبير موسي، في جعل بن علي يعود إلى تونس.

وتزوج بن علي في عام 1964 من نعيمة الكافي ابنة أحد كبار جنرالات الجيش وأنجب منها 3 بنات. وفي عام 1992، تزوج ليلى الطرابلسي التي أنجب منها بنتين وولد بعد طلاقه من زوجته الأولى.

وأنشأ أصهاره شبكة واسعة من العلاقات المشبوهة وأحكموا قبضتهم على مفاصل الاقتصاد التونسي وحققوا ثروات طائلة من الكسب غير المشروع مستغلين علاقة المصاهرة، في الوقت الذي ذكرت فيه مصادر تونسية أن زوجته ليلى كانت تتحكم في كل تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية وتعين وتعزل من لا يخدم مصالحها ومصالح أسرتها.

وكان من أهداف الثورة تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية والتشغيل والقطع مع الفساد ومحاسبة الفاسدين، إلا أن هذه الأهداف لم تتحقق بعد نحو ثماني سنوات مع استشراء الفساد وعجز النخبة الحاكمة بكل أطيافها عن معالجة الأزمات وتراكمات 23 عاما من الحكم الاستبدادي. رحل بن علي مخلفا تركة ثقيلة لاتزال تونس تئن تحت وطأتها وغموضا في مرحلة من تاريخ تونس، تلك التي تعلقت بأحداث الانتفاضة الشعبية ومغادرته وما إذا كانت طوعية أو كانت انقلابا على حكمه.

وأكبر انجاز تحقق لتونس بعد أن أنهت ثورة شعبية 23 سنة من حكمه الاستبدادي، هو الحرية والتعددية التي يراهن عليها التونسيون لبناء دولة ديمقراطية تقطع مع الفساد المالي والسياسي وتحقق العدالة الاجتماعية والتنموية وهي مرحلة تحتاج لوقت طويل على خلفية تراكمات أكثر من عقدين من الفساد والحكم الفردي.