تونس تنتخب برلمانها على وقع شحن سياسي وإحباط شعبي

المشهد السياسي في تونس يزداد تعقيدا وسط توقعات بأن لا تفرز الانتخابات التشريعية التي تجري الأحد عن فائز واضحا ما يعقد عملية تشكيل حكومة ائتلافية في لحظة محورية بالنسبة لاقتصاد البلاد.



الانتخابات البرلمانية أكثر أهمية من الرئاسية


ناخبون كثيرون محبطون من الركود الاقتصادي


الأحزاب الرئيسية تواجه تحديات من الشعبويين


تشريعية تونس تجري في أجواء مشحونة شعبيا ومعقدة سياسية

تونس - تخيم على تونس أجواء من الريبة والتوتر السياسي قبل يومين فقط من الانتخابات التشريعية التي تكتسي أهمية بالغة بالنسبة لبلد يواجه أزمة اقتصادية حادة وسط توقعات بعزوف عن الاقتراع لدى معظم الناخبين بسبب فقدان الثقة في الأحزاب السياسية خاصة منها التقليدية والتي تمثل أغلبها جزء من منظومة الحكم.

ولايزال المشهد السياسي منفتحا على غموض غير مسبوق في ظل تعقيدات جديدة مرتبطة بالدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التي يتنافس فيها المرشح المستقل أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد وقطب المال والإعلام المسجون نبيل القروي بعد قرار أحزاب بينها حزب التيار الديمقراطي وحزب تحيا تونس مقاضاة القروي بدعوى المساس بأمن الدولة والتمويل الأجنبي لحملته الانتخابية، التعاقد مع شركة علاقات عامة صاحبها موظف سابق في الموساد الإسرائيلي.

ولم تخرج الانتخابات الرئاسية من عقدة قانونية تتمثل في خوض مرشح رئاسي السباق إلى قصر قرطاج من وراء القضبان، حتى برزت عقدة أخرى من شأنها أن تعمق المأزق السياسي، فجرتها وثيقة على موقع وزارة العدل الأميركية وتحدثت عن تعاقد القروي مع الشركة سالفة الذكر المثيرة للجدل.  

ومن المحتمل ألا تسفر الانتخابات البرلمانية في تونس يوم الأحد عن فائز واضح وهو احتمال مرده حالة الاستياء وعدم الرضا عن الأحزاب الراسخة في السياسة الوطنية، فيما يعقد عملية تشكيل ائتلاف في لحظة محورية بالنسبة لاقتصاد البلاد.

وفيما يعكس أجواء انعدام اليقين، أكد حزبان رئيسيان عدم الانضمام إلى أي حكومة تضم الطرف الآخر، وهو موقف غير مُبشر لمفاوضات الأخذ والرد اللازمة لتشكيل الحكومة.

في مؤشر يعكس حالة عدم اليقين، حزبان رئيسيان يعلنان عدم الانضمام إلى أي حكومة تضم الطرف الآخر وهو موقف غير مُبشر لمفاوضات الأخذ والرد اللازمة لتشكيل الحكومة

وبعد ثماني سنوات من الثورة التونسية التي فجرت انتفاضات "الربيع العربي"، يزداد الشعور لدى كثير من التونسيين بخيبة الأمل من مؤسسة فشلت في تحسين مستويات المعيشة.

وقال كريم العبيدي وهو مصفف شعر يبلغ من العمر 29 عاما في تونس العاصمة "لن أصوت لأحد لأني مقتنع بأن الحكام القادمين سيكونون أسوأ من السابقين" مضيفا أنه يرغب في الانضمام إلى موجات المهاجرين الذين يعبرون البحر المتوسط.

وعلى الرغم من أن السياسة التونسية تشهد منذ زمن طويل تنافس جماعات علمانية وإسلامية في الانتخابات ثم تقاسم السلطة، إلا أن الشعبوية الناشئة تهدد بوضع نهاية لمثل هذه الصيغ أو التسويات.

وقبل نحو ثلاثة أسابيع، انقلب الناخبون في الانتخابات الرئاسية على جميع اللاعبين الرئيسيين في أروقة الحكم، ورفضوا السياسيين البارزين لتسفر تلك الانتخابات عن وصول وجهين جديدين إلى جولة الإعادة.

وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، سيتنافس قيس سعيد الأكاديمي المستقل ذو الآراء الاجتماعية المحافظة، مع نبيل القروي قطب الإعلام المحتجز منذ أغسطس/آب بتهمة غسل الأموال والتهرب الضريبي والذي ينفي ما ينسب إليه من اتهامات.

وهيأت هذه النتيجة مسرح الأحداث لانتخابات صعبة يوم الأحد وتصويت يمكن النظر إليه باعتباره أكثر أهمية من الانتخابات الرئاسية ذاتها لأن البرلمان هو الذي سيشكل الحكومة المقبلة.

وبموجب الدستور التونسي لعام 2014، يكون رئيس الوزراء المنتمي لأكبر حزب في البرلمان هو المهيمن على معظم السياسات الداخلية، في حين يتحمل الرئيس المسؤولية المباشرة عن أمور الخارجية والدفاع.

وإذا فشل أكبر حزب في الفوز بعدد كبير من المقاعد مع وجود الكثير من المستقلين، فقد يجد صعوبة في تشكيل ائتلاف يضم ما يصل إلى 109 نواب مطلوبين لتأمين الحصول على دعم بالأغلبية لحكومة جديدة.

وتكون أمامه مهلة شهرين من تاريخ الانتخابات إما أن ينجح في ذلك أو يكلف الرئيس شخصية أخرى بتشكيل حكومة. وإذا فشل، فستجرى الانتخابات مرة أخرى.

ومع ارتفاع معدل البطالة إلى نحو 15 بالمئة على المستوى الوطني و30 بالمئة في بعض المدن، ومضي الحكومة في جهود كبح جماح التضخم الذي بلغ 7.8 بالمئة العام الماضي، فإن أي حالة من الشلل السياسي قد تبلغ حد الخطر.

وتعهد اثنان من أوضح الأحزاب موقفا، وهما حزب النهضة الإسلامي وحزب قلب تونس، بعدم الانضمام إلى حكومة تضم الآخر. ويركز كلاهما على الفقر باعتباره القضية الرئيسية، لكن كلا منهما يعاني من نقاط الضعف الخاصة به.

وتحاول حركة النهضة استعادة الناخبين السابقين المحبطين من دورها في إدارة الحكم في مناسبتين (حكومة الترويكا الأولى والثانية).

وقد عبرت الحركة الإسلامية عن تأييدها للمرشح المستقل قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية، على أمل أن تجتذب مؤيديه في الانتخابات البرلمانية.

ويخوض زعيم النهضة راشد الغنوشي الذي كان يقيم في لندن قبل انتفاضة 2011، الانتخابات التشريعية للمرة الأولى وقد يسعى إلى أن يصبح رئيسا للبرلمان، فيما كانت الحركة الإسلامية تخطط للهيمنة على الرئاسيات الثلاث: رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان ورئاسة الدولة، لكن نتائج الانتخابات الرئاسية كشفت عن تصويت عقابي وتراجع كبير في حظوظها على جميع المستويات وفقدانها الكثير من الدعم حتى من داخل قاعدتها الانتخابية التقليدية.

وقال إن الخيار في هذه الانتخابات بين قوى الثورة مثل النهضة وقيس سعيد و"أحزاب الفساد"، في إشارة إلى القروي ومشاكله القانونية.

تركيبة البرلمان التونسي المنتهية ولايته
تركيبة البرلمان التونسي المنتهية ولايته

وزادت مشاكل القروي بعد أن كشفت وسائل إعلام في الآونة الأخيرة عن وثائق تظهر على ما يبدو أنه دفع مليون دولار لشركة استشارية كندية وهو ما ينفيه حزب قلب تونس الذي يتزعمه نبيل القروي. وإذا صحّ ما ورد في الوثيقة فقد يشكل انتهاكا لقواعد تمويل الانتخابات.

وعلى الرغم من أن محطة 'نسمة' التلفزيونية التابعة له تبث محتوى داعما لحزب قلب تونس، فإن اعتقاله يعني غياب أكثر الوجوه جاذبية في الحزب لأسابيع.

وزوجته سلوى السماوي هي الوجه الدعائي للحزب، حيث تسافر إلى الريف لمقابلة الفقراء والنساء العاملات في الأراضي الزراعية، وتعدهم بأن قلب تونس سيكون عونا لهم.

ويأمل الحزب في الفوز بكل من الرئاسة والبرلمان، وهما جائزتان ستمنحانه سيطرة كبيرة على الشؤون التونسية.

ومع ذلك، فإن أي ائتلاف قد تفرزه الانتخابات سيواجه نفس الخيار غير المستساغ الذي أضر بالحكومات السابقة: إما إصلاحات اقتصادية يعارضها اتحاد عمالي قوي أو زيادة الدين العام وهو ما تعارضه الجهات المقرضة الأجنبية.