تيمة الغموض في بناء القصة

"القرين" يأتي أكثر وضوحاً في السرد القصصي، ولا يُذكر هذا الموضوع دون التوقف عند رواية "دكتور جيكل ومستر هايد".


دستويفسكي تناول الأزمة النفسية في روايته "القرين" إذ ينشأُ النزاعُ بين "جوليادكين" وتابعه إلى أنَّ يجد منْ يسميه الكاتبُ بـ "جوليادكين الأكبر" نفسه مسوقاً إلى المصحة


تشيخوف عرف ببساطة أسلوبه وشفافية سرده وتمكنه في تحويل المواضيع الحياتية المألوفة إلى مادة قصصية

وردَت الإشارةُ إلى القرين في المرويات الشعبية والأسطورية، وكان التفسيرُ السائد لفهم العبقرية والنبوغ يعتمدُ على وجودِ قرين يلازمُ الشخص المتفوق أو الشجاع. ولم تغب ظاهرة القرين في النصوص الأدبية الحديثة، إنما أصبحت جزءاً من الفنيات الأثيرة في بناء الأعمال الشعرية والقصصية، لعلَّ محمود درويش في الشعر العربي الحديث هو أكثر من اشتغلَ على القرين لاسيما في القصائد التي يضمها ديوانه المعنون بـ "لا تعتذر عما فعلت". 
غيرَ أنَّ "القرين" يأتي أكثر وضوحاً في السرد القصصي، ولا يُذكر هذا الموضوع دون التوقف عند رواية "دكتور جيكل ومستر هايد" إذ يقدم المؤلف شخصيته الأساسية بوجهين متناقضين فيكونُ جيكل قناعاً لهايد الشرير، وبذلك يتحملُ الأخير وزر المعاصي والشرور بينما يحظي الوجه الخارجي لهذه الشخصية المنشطرة بالإحترام والتقدير.
وبدوره تناول دستويفسكي هذه الأزمة النفسية في روايته "القرين" إذ ينشأُ النزاعُ بين "جوليادكين" وتابعه إلى أنَّ يجد منْ يسميه الكاتبُ بـ "جوليادكين الأكبر" نفسه مسوقاً إلى المصحة. إذاً وهذه الآلية في الكتابة تصعدُ من التوتر ويغلفُ النص بالغموض الذي يكونُ أحد عوامل أساسية في توالد عنصر التشويق وبذلك يندمجُ المتلقي بالأجواء الغرائبية  ويتفاعلُ مع الأحداث التي تزيدُ من مستوى الإبهام والغموض مع مضي السرد في متابعة الوقائع.

الكاتب الأمريكي المعاصر تشاك بولانك يدحض فكرة الغيبيات والكائنات الغامضة، كما تتميز لغة القصة بنرة ساخرة من الذين يدعون إستحضار الأرواح

شحنة غرائبية
إنَّ حركة الشخصيات وتحولاتها لها دور رئيسي في الإبانة عن الوجه الغرائبي في بناء القصة، وهذا ما يبدو واضحاً في قصة "الهورلا" للكاتب الفرنسي غي دي موباسان. فهو قد نشر قصته في ثلاث نسخ تفصلُ بينها فترات زمنية محددة، وما يفرق بينها هو أسلوب الكتابة. تأتى النسخة الأولى في إطار تقنية الرسائل أما في النسخة الثانية يشرعُ الراوي بسرد معاناته النفسية مع القرين، فيما دوّن موباسان النسخة الأخيرة  على شكل اليوميات إذ تبدأُ القصة بتسجيل مشاهدات الراوي من الثامن من مايو/آيار وتنتهي بالعاشر من سبتمبر/أيلول، والمشتركُ بين هذه الصيغ القصصية الثلاث هو الرغبة في إكتشاف السر الذي يحوم حول حياة الشخصية الأساسية، ويدفع بها خارج النمط المألوف. 
وفي هذا السياق تتدخلُ أصوات أخرى تُثيرُ الأسئلة بشأنِ ما هو مجهول بالنسبة للإنسان وتركيبة الدماغ البشري، هذا ناهيك عن توارد المقولات التي تقدمُ تصوراً عن الترابط القائم بين مستوى الذكاء والمدارك الحسية. ما يعني أنَّ النصَ ينفتحُ على الأفكار التي تتناولُ احتمالات وجود حياة بأشكال متنوعة وفرضيات متداولة عن كائنات مجهولة.
يبدأُ السرد في القصة بسنختها الثالثة هادئاً يعبرُ الراوي المتكلم بالضمير الأول عن حبه لبيته وارتياحه بما يقعُ عليه النظرُ من مكانه. وما يلبثُ أنَّ يداهمَ الراوي هاجس غريب يخلف لديه الشعور باقتراب الموت إلى أن يراجعَ الطبيب، وينصحُه الأخير بمواظبة الإستحمام وتناول بروميد البوتاسيوم. يواصل المُتحدث تسجيل يومياته وينهشهُ القلقُ وتضجُ أحلامه بالكوابيس، كما تلفتُ نظره ظواهر غريبة إذ يرى الدورق فارغا من الماء مع أنه كان متأكدا من إمتلائه قبل أن يخلد إلى النوم، كما يستغربُ انكسار ساق الأزهار على مرأى عينيه، كأن يداً خفية تثنيها ويلاحظُ أنَّ صفحات كتابه تقلبُ دون أنَّ تكون هناك نسمة للهواء.
هكذا تنتظمُ خطوطُ القصة على إيقاع مشاهد غريبة. عليه فإنَّ الراوي يعلنُ بأنَّ الكائن المخفي يتحكمُ به، وما يحولهُ إلى آلة مطيعة هو تناسل الأشباح في مخيلته جراء تفاقم حدة الخوف. ويستعيدُ حواره مع القديس ميشال إذ يسأله الأخير بصيغة مضمرة للإستنكار "هل تظن أننا رأينا عشر معيشر ما يوجد فوق هذه الأرض أصلا"، لافتاً إلى الظواهر الطبيعية التي لا تُرى غير أثرها الذي قد يكون مدمراً.
يبلغُ الصراع بين الراوي وقرينه إلى درجة يريدُ تسميمه لكن يدركُ صعوبة هذه العملية كون الشبح راصداً حركاته. أخيراً يراوغُ الراوي الكائن الخفي بإدراجه إلى الغرفة ومن ثمَّ ينسلُ منها ويحكمُ إغلاق الباب والنوافذ بالأغطية والأقفال الحديدية ويشعلُ النار في البيت متوقعاً بأنَّ القرين لا ينفذ بجلده من المحرقة، لكن ما يمر كثير من الوقت حتى يسمعُ صرخات الخدم الذين تركهم في البيت. وما يجدرُ بالذكر في هذا المقام أنَّ الهورلا يأتي بمعنى اللامنتمي، وهو كائن يفوق على الإنسان ذكاءً برأي موباسان.
يشيرُ مترجم القصة عماد العتيلي إلى أنَّ هذا النص ليس إلا سرداً لما اختبره موباسان من الهلاوس في طريقه نحو بئر الجنون. وكان نيتشه قد أبدى إعجابه بأدب صاحب "المجوهرات المزيفة" إذ تمكن من رؤية مدارك جديدة في المواضيع العتيقة حسب تعبير المبشر بـ"الإنسان الأعلى".

سرد شفيف
عرف الكاتب الروسي أنطون تشيخوف ببساطة أسلوبه وشفافية سرده وتمكنه في تحويل المواضيع الحياتية المألوفة إلى مادة قصصية الأمر الذي زاد من حرارة أعمال تشيخوف، وكرس خصوصيته، بحيثُ أصبحَ علامة في فن القصة، واللافتُ في ما قدمه مؤلف "عنبر6" هو الإقتصاد في اللغة وتوظيفه لتقنيات سردية بفنية عالية. وما ألفه بعنوان "الراهب الأسود" يصنفُ ضمن الأدب الغرائبي حيثُ يسردُ تشيخوف في روايته القصيرة ما يمرُ به فاسيليفتش كوفرين من التقلبات في شخصيته بعد ما يبصرُ شبحَ الراهب الذي تحدثت عنها المرويات الأسطورية وهو ينفذ إلى جميع القارات متجاوزاً طبقة الغلاف الجوي.
مايميزُ القرين في رواية تشيخوف هو تمثله أمام عين كوفرين حيثُ يدور الحوار بين الإثنين، ويؤكدُ الراهب بأنَّه موجود في خيال الشاب الذي يدرس الفلسفة والخيال، موجود في الطبيعة، فبالتالي أنَّ الشبح كائن طبيعي ويسترسلُ الراهبُ في الكلام قائلاً بأن الأشباح قد لازمت العباقرة الذي يثقُ بهم العالم مُضيفاً بأنَّ العبقرية صنو الجنون، ومن ثمَّ يتابعُ المتلقي ما يحلُ بحياة كوفرين إذ ينفصلُ عن تانيا، وهي وحيدة والده الإقطاعي رافضاً الإنفكاك من قرينه. 
وتنتهي القصة بموت كوفرين بعد قراءته لرسالة زوجته السابقة، إذ تؤنبه على جحوده وأنانيته التي قوضت هدوء العائلة، وأودت بحياة والدها. وما يفهمُ من مضمون النص أنَّ العبقرية تكلف صاحبها ثمناً لأنَّ من تنسب إليه هذه الصفة يكون مختلفاً في مزاجه وخياله لذلك يقول الراهب الأسود مخاطباً كوفرين: "إذا أردت أن تكونَ طبيعياً وصحيحاً فاذهب إلى القطيع". 
وبدوره عالج الكاتب الأمريكي المعاصر تشاك بولانك موضوعة الكائن المخفي في قصته المعنونة "الشبح الذي جاء يعتذر" لكن ما يرمي إليه بولاك في قصته هو دحض فكرة الغيبيات والكائنات الغامضة، كما تتميز لغة القصة بنرة ساخرة من الذين يدعون إستحضار الأرواح.
يفسرُ الكاتب المصري شاكر عبدالحميد وجود هذا الملمح الغرائبي في النصوص الأدبية بناءً على ما يتراكم لدى الأديب من الإنفعالات والتوتر والحسياسية، بحيثُ إذا لم يتمكنُ المبدع من تفريغ كل ذلك من خلال أعماله تنقطع الشعرة الفاصلة بينه وبين الجنون. إذًا فإنَّ الإبداع نوع من الوقاية من الجنون.