جمانة حداد في صحبة 150 شاعرا منتحرا

الشاعرة اللبنانية قضت سنوات في إعداد كتابها "سيجئ الموت وستكون له عيناك" واتصلت بأهل الشعراء الغائبين أو المنتحرين وبأصدقائهم.


الكتاب يكتسي قيمة عند الباحثين والأكاديميين وعشاق الشعر


العنوان مستوحى من عنوان لقصيدة شاعر إيطالي كبير منتحر هو تشيزاري بافيزي

بعض الكتاب وبعض الشعراء لا يكتبون كثيرا ولكن ما يكتبونه من الأهمية بمكان إلى درجة أن المرء يعود إليه بين الفينة والفينة، وهذا شأن الكتب المهمة والدواوين الممتازة يجد فيها المرء ضالته، ويظل يستنطقها ويقرؤها قراءة مغايرة للأولى، فينكشف له بعض ما لم ينكشف في القراءة السابقة، وقد كان شاعرنا الفحل زهير بن أبي سلمى مقتصدا، فهو ينظم القصيدة ثم يظل ينظر فيها وينقح قبل أن تنشد في سوق عكاظ أو تظهر من قبل راويته بعد عام اتقاء للزلل حتى سمي شعره بالحوليات.
وكتاب الشاعرة اللبنانية جمانة حداد "سيجئ الموت وستكون له عيناك" هو من هذا القبيل، فهي قد قضت سنوات في إعداده، وأنفقت وقتا وجهدا في الاتصال بأهل الشعراء  الغائبين أو المنتحرين وبأصدقائهم وفي جمع دواوينهم أو أشعارهم مستعينة بالمراسلات وبالاتصالات عبر الشبكة العنكبوتية، حتى تهيأت لها المادة الخام التي كانت مصدر عملها.
ثم هي متقنة لعدة لغات أوروبية وشاعرة بالعربية ولها دواوين، وشاعرة جريئة كذلك فقد اقتحمت الممنوع في لبنان، وأصدرت أعمالا لم يرض عنها الذوق العام بحجة المحافظة. ومن ذلك عنايتها بثقافة الجسد ولغته وشهواته وأصدرت مجلة خاصة بذلك ثم احتجبت المجلة، ومع ذلك فهي جريئة شجاعة ماضية في طريقها الذي اقتنعت به واختطته لنفسها.

ما يؤخذ على الشاعرة الكاتبة أنها أهملت بعض الشعراء المهمين وكان عليها أن  تعرف بهم أكثر من بعضهم الآخر

كتابها يكتسي قيمة عند الباحثين والأكاديميين وعشاق الشعر من القراء العرب خاصة، فقد اقتحمت مجالا لم يقتحمه أحد بمثل استقصائها فالعتبة الأولى تحيل على فعل الغياب والتواري، والعنوان مستوحى من عنوان لقصيدة شاعر إيطالي كبير منتحر هو تشيزاري بافيزي (1908/1950).
لقد كتب خليل الشيخ كتابا عن الانتحار هو "الانتحار في الأدب العربي دراسات في جدلية العلاقة بين الأدب والسيرة". ونُشرت مقالات شتى عن بعض الشعراء العرب المنتحرين ولكنها محاولات متفرقة، وإن كانت على جانب من الأهمية، وفعل  الانتحار بالذات في ثقافتنا هو من قبيل المسكوت عنه، ومن يقتحم هذا المجال ربما يجابه بالازدراء أو الرفض أو الهجوم لأن الشخص المنتحر في ثقافتنا هو شخص منحرف، أو ضال أو يائس، من الأسلم السكوت عنه وتفويض أمره إلى الله.
لكن الانتحار في الظاهرة الإبداعية شيء آخر؛ إنه ظاهرة عالمية لصيقة بالهم الإبداعي والتضاد بين عالم المثل والعالم الواقعي والخيالي والواقعي والحلم والحقيقة، وهو ظاهرة قديمة لازمت الإبداع ولن يعوز الواحد منا ذكر الأمثلة والنماذج المنتحرة منذ الشاعرة الإغريقية صافو.
جمانة حداد إذا أسدت خدمة إلى المكتبة العربية وإلى المكتبة الشعرية على السواء، وقربت الآداب العالمية من القارئ العربي الذي لم يتح له الاطلاع على تلك النماذج الشعرية في لغاتها الأم، خاصة وهي تجيد معظم اللغات الحية الأوروبية وتترجم عنها مباشرة مع ما في نقل الشعر من لغة إلى أخرى من صعوبة جمة تكاد تذهب بالمعني، لأن لكل لغة حمولتها الثقافية والعاطفية والمتخيلة ولكن ذوق الشاعر وحاسته الشعرية يمكن أن تساهم في تقريب المعني والأخيلة في اللغة المنقول إليها عن المنقول عنها، وظاهر الترجمة وصفت من قبل بالخيانة وتحدث عنها الجاحظ، وهو واحد من بحث أثر الترجمة في تحريف المعنى وعدم نقله بأمانة.
فبعد المقدمة المسهبة في تشريح هذه الظاهرة من الوجهة النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية والحديث عن عوائق التأليف في الموضوع والاتصالات المختلفة التي قامت بها والجهد المبذول في الترجمة، خاضت في تراجم وأشعار الشعراء المنتحرين من الشرق والغرب على السواء منذ مطلع القرن العشرين، وشكرت الذين أسدوا إليها خدمات جليلة في جمع المادة، وهم في الواقع أسدوا خدمة إلى القارئ العربي.
في قرن من الزمن أحصت الشاعرة مئة وخمسين شاعرا انتحروا جميعا بطرق مختلفة وهم – جلهم- في شرخ الشباب وميعة الصبا من الشرق والغرب مرت بالشعراء الكبار والصغار على السواء وأثبتت نتفا أو قصائد من إبداعهم، ومنهم ماياكوفسكي، ويسنين، همنغواي، سيلفيا بلاث، آن سكستون، وغيرهم ممن يجد القارئ العربي أسماءهم ونتفا من أشعارهم.
وختمت الكتاب بقائمة لكتاب كبار وصغار على السواء انتحروا مثل همنغواي، أكوتاجاوا، كوستلر، مشيما، وغيرهم وحتى من الفنانين والمشاهير.
وليس الغرض من هذا المقال الحديث عن أساب رحيلهم الإرادي، فهو كذلك مبثوث في ثنايا الكتاب لمن أراد الاطلاع عليه، ولكن الحديث عن ظاهرة انتحار الشعراء العرب وكذا الكتاب.
وهذه هي قيمة الكتاب الكبرى بالنسبة لنا كقراء عرب، إن كثيرا منا يعرف بعض الأسماء أو ربما قرأ  لها ولكن لا يعرف أن رحيلها كان انتحارا أو لا يعرف أسماء لو عاشت لكان لها صدى في عالم الكتابة أو الشعر  فهم جميعا ماتوا في ربيع العمر باستثناء الشاعر خليل حاوي.
تثبت الكاتب نصوصا جيدة للشاعر اللبناني الراحل خليل حاوي عام 1982 والنصوص التي تثبتها تتحدث عن تنبؤ بقرب الرحيل من خلال العتبة النصية (عناوين القصائد)  والحقول الدلالية للموت وللرحيل عن الدنيا. وإذا كانت جمانة تربط مأساة خليل حاوي باجتياح بيروت من قبل الدبابات الإسرائيلية عام 1982 فإن كثيرا من النقاد يضيفون إلى ذلك قصة الحب الفاشلة مع القاصة العراقية ديزي الأمير ثم مرضه في الدماغ الذي كان يخفيه ولا يحب الحديث عنه:
خلنـي للبحـر للـريح لمـوتٍ
ينشـر الأكفانَ زرقا للغـريق   
مبحر ماتت بعينيه منارات الطريق
مات ذاك الضوء في عينيــه مات
لا البطولات تنجيه ولا ذل الصلاة

وتفرد الشاعرة مجالا لأشعار الشاعر الأردني تيسير سبول الذي رحل عام 1973  وتربط مأساته بالمأساة العربية عامة، وحتى الكلمات دالة على السأم والرغبة في الرحيل. وإن كان الناقد والكاتب عيسى الناعوري يتحدث عن مرض كان يعاني منه الشاعر وكتمه انتهى به إلى العمى، وربما كان هو السبب الحقيقي لاختياره الموت الإرادي:
سأسقط لا بد يملأ جوفي الظلام
عذيرك بعد، إذا مالتقينا
بذات منام
تفيق الغداة وتنسى
لكم أنت تنسى
عليك السلام
إن من يقرأ الكتاب سيتخذه مرجعا، وسيظل يرجع إليه كلما دعت الحاجة، فاللغة رصينة سواء لغة الشرح والتقرير أو لغة الشعر التي قاربت فيها المعاني أو الأخيلة التي حام حولها الشعراء العالميون، ولاشك أن جمانة بذلت جهدا هرقليا استحق هذه السنين من الإعداد والصبر والمثابرة، كما أن الصور وجودة الطبع زادت في متعة القراءة ولو أن الأجواء كابية حزينة.
ما يؤخذ على الشاعرة الكاتبة أنها أهملت بعض الشعراء المهمين وكان عليها أن  تعرف بهم أكثر من بعضهم الآخر – ويشفع لها عدم توفر المعلومة وربما نقص المصدر - فبعضهم كان معروفا ومشهودا له بالشاعرية كالشاعر المصري صالح الشرنوبي (1924/1951) الذي تنبأ له العقاد بمستقبل شعري واعد، وله محاولات في القصيدة الحديثة وهو القائل :
غدا يا خيالي تنتهي ضحكاتـنا
وآمالنا تفنى وتفنى المشاعـرُ
وتسلمنا أيدي الحياة إلى البلى
ويحكم فينا الموتُ والموت قادرُ
والشاعرة ناهد طه عبدالبر(1920/1950) التي دافع طه حسين عن حقها في الدراسة الجامعية، بعد معارضة من أسرتها المحافظة وحالتها المرضية (نوع من سرطان الدم) وكانت على علاقة عاطفية مع الناقد أنور المعداوي وهي القائلة:
أرى حكـمةَ الله فـي شــرعِهِ
تـردُّ الفسـاد وتَهدي الضلالْ
ففـيـم الـتلاعبُ بـالـدّيـن ربّي
وبـاسم الشـريعة يـطغى الرجال؟!
والشاعر الجزائري مبارك جلواح (1908/1943) رائد الرومانسية في الجزائر بلا منازع هذا الذي ألقى بنفسه الكليلة العليلة من على جسر بنهر السين في باريس عام 1943 ودفن وحيدا هناك في مقبرة بوبيني الإسلامية إلى جوار رفيقه المنتحر كذلك الكاتب التونسي الجزائري الأصل محمد العريبي، وكان الناقد الجزائري الراحل عبدالله ركيبي قد كتب عنه كتابا كاملا معتمدا على مخطوطة لديوان الشاعر سلمها له تلميذه عبدالعالي رزاقي في الثمانينات، وهو شاعر ممتاز ولو عاش لكان أمير شعراء الجزائر بلا منازع بالرغم من سقطاته اللغوية وهناته العروضية، ويشفع له عصاميته وكدحه عاملا بسيطا في باريس في الأربعينيات، وديوانه كله كابي اللون حزين النغمة ينذر بالرحيل الإرادي:
إني سئمت من الوجود ومن ** حمق المسا وغباوة البكر
وسئمت من كيد الحياة ومن ** إحن القضا وضغائن القدر
ومن التعاسة أن يفارقني **  هذا الترنم غير منتحـر
وكان من الواجب ألا تكتفي باسم الشاعر وبيتا واحدا من شعره خاصة فيما يتعلق بالشاعر المصري أحمد العاصي (1903/1930) الذي أثنى أمير الشعراء شوقي على شعره وقرظ ديوانه. وقد كانت تلميذا لزكي مبارك وتحدث عنه في كتابه "ذكريات باريس" .
لقد ذكرت جلهم ومنهم منير رمزي وقد كان زميلا للروائي المصري إدوار الخراط، أنطون مشحور، مصطفى محمد، تيسير سبول، عبدالله بوخالفة، فاروق سميرة، إبراهيم زاير، قاسم جبارة، كريم حوماري، فخري أبو السعود وقد كان زميلا لزكي نجيب محمود وتحدث عنه في مقالة وغيرهم. 
كتاب جدير بالقراءة يحفر في المسكوت عنه في ثقافتنا المعاصرة، وجهد مشكور من الشاعرة ونتمنى أن تستدرك ما فاتها من أسماء في طبعات لاحقة.