جهود سياسية لنزع فتيل الأزمة المالية بين بغداد وأربيل

محمد شياع السوداني يؤكد في لقاء مع علي بابير رئيس جماعة العدل الكردية أن حكومته سعت الى ايجاد الحلول الدستورية للاستحقاقات المالية لمواطني إقليم كردستان.
رغبة من قبل الحكومة المركزية وجهات كردية على تسوية ملف الرواتب سلميا
لا يستبعد أن يكون علي بابير مبعوثا من الحكومة الكردية لتسوية الملف

بغداد - استقبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، يوم الثلاثاء، رئيس جماعة العدل الكردية علي بابير، في لقاء سياسي تناول أبرز الإشكالات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، وعلى رأسها ملف الرواتب والاستحقاقات المالية لموظفي الإقليم في مؤشر واضح على وجود رغبة مشتركة لإنهاء الخلافات المالية العالقة بين بغداد وأربيل.
ويأتي هذا اللقاء في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن الطرفين _الحكومة المركزية وحكومة الاقليم_ يفضلان المعالجة السلمية والتدريجية للخلافات، بعيدًا عن التصعيد السياسي والإعلامي، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والإقليمية التي تفرض نفسها على الواقع العراقي. ولا يستبعد أن يكون علي بابير مبعوثا من حكومة الاقليم لتسوية الملف.
وتتبنى جماعة العدل الكردية الأفكار الإسلامية ومنهج أهل السنة والجماعة ولها علاقات جيدة بالحزب الديمقراطي الكردستاني حيث تم عقد عدة لقاءات بين الطرفين في السنوات الأخيرة تضمنت مناقشة تشكي الحكومة الجديدة رغم أن جماعة العدل تُصرّ حاليًا على عدم المشاركة في البرلمان.
وأكد السوداني خلال اللقاء أن حكومته ملتزمة بإيجاد حلول دستورية وقانونية لضمان استحقاقات المواطنين في عموم العراق، بما فيهم مواطنو إقليم كردستان، مشددًا على أن الخلافات يجب ألا تتحول إلى عبء إضافي على المواطنين.
وبحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، فإن اللقاء تناول مناقشة ملفات متعددة بين الجانبين، من بينها آليات تنفيذ الاتفاقات المالية، وانعكاس الالتزام بها على الوضع المعيشي في الإقليم، إلى جانب تطورات إقليمية ودولية.

وأشار السوداني بوضوح إلى أن الأولوية القصوى للحكومة الاتحادية هي حماية المواطن من تبعات النزاعات الإدارية أو السياسية، قائلاً إن الحكومة لن تسمح بتحويل الخلافات إلى أداة ضغط على الموظفين، لا في كردستان ولا في باقي المحافظات.
وكانت أربيل أبدت انفتاحًا على التعاون مع بغداد، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة أن يكون أي اتفاق مالي متوازنًا ومبنيًا على مبدأ الحقوق والواجبات المتبادلة.
وأكد مصدر كردي في تصريحات سابقة أن حكومة الإقليم لم ترفض إيداع الإيرادات غير النفطية في الحسابات الاتحادية، لكنها تطالب بأن يكون ذلك مقرونًا بضمان وصول الرواتب بشكل منتظم ومضمون، باعتبار أن الهدف الأهم هو تأمين معيشة الموظفين، وعدم جعلهم يدفعون ثمن الخلافات السياسية أو الإجرائية.
وكانت حكومة إقليم كردستان قد وافقت منتصف أغسطس/آب الماضي على تفاهم جديد مع بغداد حول آلية صرف الرواتب، وهو ما اعتُبر في حينه خطوة إيجابية نحو التهدئة. غير أن تنفيذ هذه التفاهمات لا يزال متعثرًا، على خلفية خلاف بشأن حجم التمويل وتوزيعه.
وفي هذا السياق، كانت وزيرة المالية الاتحادية طيف سامي قد وجهت كتابًا رسميًا لحكومة الإقليم أوضحت فيه تعذر استمرار تمويل الرواتب، بسبب ما اعتبرته تجاوزًا من الإقليم للحصة المحددة له في قانون الموازنة، والتي تبلغ 12.67في المائة من إجمالي الموازنة الاتحادية.
وبحسب الوزارة، فإن مجموع ما استلمه الإقليم تجاوز 13.5 تريليون دينار، وهو ما يُعد – بحسب الرؤية الحكومية – تجاوزًا على السقف المالي المخصص له للسنوات 2023 و2024 و2025.
في ظل هذا التوتر، دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة، خصوصًا بعد تعاقد أربيل مع شركات أميركية في قطاع الغاز دون الرجوع لبغداد. وقد نقلت مصادر سياسية أن واشنطن طلبت من الحكومة الاتحادية احتواء الأزمة وعدم الذهاب نحو أي تصعيد قانوني أو سياسي قد يضر باستقرار العراق، وخصوصًا ما يتعلق بمسألة الرواتب.
وكان رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني أكد في تصريحات سابقة استعداد حكومته لتسليم كامل إنتاج النفط إلى الحكومة الاتحادية، مقابل الالتزام بصرف الرواتب وحصة الإقليم من الموازنة، مشددا على أن العلاقة بين أربيل وبغداد يجب أن تقوم على أساس دستوري وعادل، وليس على الإملاءات أو الضغوط.
وبالرغم من استمرار نقاط الخلاف، فإن اللقاءات السياسية الجارية، وتبادل التصريحات الإيجابية، تشيران إلى وجود إرادة حقيقية لدى الطرفين لإغلاق هذا الملف المزمن، خاصة في ظل إدراك واسع بأن استمرار الخلاف يهدد الاستقرار الاجتماعي في الإقليم ويضعف ثقة الشارع بالحكومة.
ولا يستبعد أن تكون الأسابيع المقبلة حاسمة في اختبار قدرة الطرفين على تحويل النوايا إلى خطوات عملية، سواء عبر اتفاق جديد يحدد آليات الصرف والإيرادات، أو من خلال تنفيذ التفاهمات السابقة بضمانات واضحة.
وفي نهاية المطاف، تبدو كل الأطراف معنية الآن بتفادي التصعيد، والعمل على حل سياسي ومالي دائم يضع حداً لأزمة متكررة أرهقت الموظفين وأربكت الإدارات، في إقليم كردستان وفي بغداد على حد سواء.