جواهر منثورة برمال متحركة .. حول الكتابة والسعادة الحزينة

رواية مزين يعقوب برقان، المعنونة "كلمات على رمال متحركة"، تحفل بمجاز وعبارات مشرقة سواء من تأسيس الرواية، أو عبر تضمين من عشرات النقول.


الإغتراب أقسى من الغربة، حيث إنها غربة مركبة بالنفي داخل الوطن


قدرة الصمت على التعبير أحيانًا تفوق قدرة الكلمات الصارخة

"إقرأ حول موضوع أدبك" علامة جوهرية على خارطة طريق الإبداع، فالقراءة وقود الأدب، وقادح شعلته، واستعانة الأديب بمطالعاته شغل ثقافي رفيع المستوي، وحرفة أساسية للكاتب شرطًا أن يكون موظفًا في إطاره الإبداعي، وبما  ُيثمر هذا العطاء الإبداعي ولا يطغي عليه أو يغرقه في لجة رحيق الكتب، دون أن نجني رحيق إبداع الأديب نفسه. 
يذكر تاريخ الأدب أنه في عام 1956 تقدمت الأديبة جاذبية صدقي، والكاتبة بنت الشاطئ (عائشة عبدالرحمن) لمسابقة مجمع اللغة العربية، لمسابقة مجموعة القصة القصيرة التي أعلن عنها المجمع اللغوي بالقاهرة، ونشبت معركة في مجمع اللغة حيث أصر بعض أعضاء المجمع أن تحصل د. بنت الشاطئ"على الجائزة الأولى، وتحصل جاذبية صدقي علي الجائزة الثانية، فرفض العقاد وكان يري العكس، وقدم استقالته معلنًا أن هذه المسابقة من أجل الأعمال الإبداعية الخلاقة، في حين أن كتاب بنت الشاطئ يعتبر بحثًا. ولإصرار العقاد نزل أعضاء المجمع عند رأيه، مما أغضب بنت الشاطئ، ودخلت مع العقاد في معارك أدبية ممتعة.
وقد حفلت رواية الأديب المقدسية مزين يعقوب برقان، المعنونة "كلمات على رمال متحركة"، بمجاز وعبارات مشرقة سواء من تأسيس الرواية، أو عبر تضمين من عشرات النقول، فقد شغفت الروائية بالنقول الكثيرة في المتن الروائي على ألسنة شخوص الرواية، لدرجة التأثير على تقنية الراوي ذاته وجعل بين حين وآخر يطل علينا بتعبيرات قوية فيها مذاق فلسفي، حسب حقول دلالية محددة.
أولى هذه الحقول الدلالية تنتمي لثيمة الرواية الأساسية حيث تدور في دولة متخيلة "دولة السراب"، فكانت النزعة الإنسانية والرؤية الحضارية في تقدير العناية بالحياة، تقول ص 267: "أي زمن هذا الذي تكون فيه حياة الحيوان مسيجة بالقوانين الحامية، في الوقت الذي تكون فيه حياة الإنسان مسيجة بالقوانين الساحقة". حيث الثوب الحكائي حول جدل العلاقة بين الطاغية القاسي حاكم دولة السراب، وابنه الفنان التشكيلي الرقيق "مالك"، تفسره الرواية ص 268: "أي علاقة عجيبة هذه بين الأب وابنه، إنهما كجبلين لا يلتقيان".

ألغام المفاجأة مزروعة في صمت الأعماق، ولا يقوى أحد على تفكيكها. ماذا يقال عن مواقف موت الكلام، ونطق الصمت؟

والراوي في الرواية عليم فالقص من مجهول، وهو محيط بعوالم الرواية وينوب عن كل شخصية في إيضاح مواقفها، ورؤيتها، لذلك يتحدث بلسان وفكر وقلب الشخصية، وقد ينتقل ضمير السرد إلى الذاتي لدى إسماع القارئ صوت الشخصية الداخلي. إنه راوٍ يقدم تشخيصًا ودراسة للعلائق بين أطراف الرواية.
وجاء الحقل الدلالي الثاني كنتيجة طبيعية لمواضعات دولة السراب "الأرض الملغومة بالمنافي" بتعبير الرواية، حيث الحزن والكآبة، حتى السعادة ذاتها اكتست ثوب الحزن: 
•    كان الإغتراب أقسى من الغربة، حيث إنها غربة مركبة بالنفي داخل الوطن، تقول ص 250: "ما أصعب أن يموت الإنسان من شدة البرد في أفران الوطن! إنها غربة الذات عن الذات".
•    فالوطن السرابي يغرق في الظلمة، تقول ص 159: "دولة السراب لا تزال غارقة في ظلمة رحم الاستبداد". "النافذة في الزنزانة كاليأس في الحزن، نافذة مشبكة بالحديد، لا ُيرى فيها سوى صدأ الحديد، ولا يتسرب منها هواء، بل صدأ الحياة".
•    حيث البؤس المجاني، تقول ص 160: "بؤس جماعي من صنع الإنسان، يعطى للناس مجانًا".
•    ص 84 (بتصرف): "تموت الأحلام الجميلة بسرعة في دولة السراب. ما أسهل أن يحل الحزن والقهر محل السعادة في دولة ثجبلت بالقهر! (..) هكذا هي آمال في دولة السراب .. ُتقام مآتمها قبل أن تموت، ويشيع جثمانها وهي علي قيد الحياة".
•    والسعادة المباغتة هي نذير شؤم، تقول ص 189: "إن تجتاحك سعادة عميقة، فاعلم أن حزنًا مؤلمًا يتربص بك خلف الأبواب الموصدة".
•    وترى استدامة الحزن وأصالته، تقول ص 220: "إن الذين قالوا إن الوقت يمحو كل شيء أخطأوا هناك أحزان لا يهزمها الوقت .. لا يبتلعها كما تبتلع النار الحطب. أحزاننا نكبتها في أعماقنا .. تتراكم فوق بعضها كثلة فتثقل الصدور. هكذا عودتك الأيام أيها الإنسان .. أن لا تبخل عليك بأحزانها وبؤسها".
•    والحزن منسرب في الحياتين الخاصة والعامة معًا، تقول ص 157: "أترى يا سيدي التقشف العاطفي الذي كان من نصيبي؟ ثمة آلام ُتغرس في أعماقنا كالسفود الملتهب".
•    وترى مواطنة القهر بدولة السراب، تقول ص 175: "في دولة السراب، حيث يتوطن القهر، فإن السعادة مهما كانت عميقة، فإنها تلتحف حزنًا أعمق. السعادة تعانق الحزن حد الإلتصاق أحيانًا".
•    وحيث رؤية الجثث، ورفقة الأحزان، هي المشهد الأكثر تداولًا، تقول الرواية ص 288: "هنا في دولة السراب، تتكدس الأحزان كما تتكدس الجثث"
•    بل كان من الحمق انتظار سعادة في غير موطنها، تقول ص 179: "إن من الغباء أن يتوقع الإنسان فرحة نقية، إن من البلاهة أن ينتظر بهجة لا تطعنها سكين الألم".
•    حتى السعادة الحزينة جرى مفارقتها، تقول ص 180: "وداعًا أيتها السعادة الحزينة .. سعادة بمحاذاة الحزن".
ولم يكن غريبًا الحفاوة بالقراءات في أفق الرواية، حيث تم غمرها برؤى حول لحظة الإشراق الإبداعي، ومحبة الكتاب، والشغف بالثقافة: 
•    فكانت النظرة الرومانسية لحبر الكتابة، ص 205: "هذا الحبر الذي يتدفق على الورقة البيضاء يغسل أعماق الفرد، كما يغسل المطر أوراق الشجر، فتبدو أكثر نضارة وأكثر قدرة على الاستمرار وأكثر جمالًا". 

المفردة الأثيرة
ذبح البوح 

•    ورؤية الإبداع أنه "ضد المعتاد والمألوف"، تقول الرواية ص 191: "المألوف، قد لا يقبل به إلا العقل العادي البسيط ولا يتجنبه إلا العقل المتميز، لذلك كان المفكرون والفلاسفة والمخترعون، والمبدعون في الأدب والفن والموسيقى. هؤلاء الذين وجهوا أسلحتهم الفكرية والإبداعية والأدبية والفلسفية نحو قيد المألوف، الذي كان للعقل قاتل".
•    وتتحدث الرواية مفسرة عقل الإبداع، صفحتان 170 و 171 (بتصرف): "أجمل وأصدق الأدب في منطقة قرب الوعي، أو في منطقة مجاورة له. ليس كل من يكتب يستطيع أن يصل عقله إلى تلك المنطقة (..) إن أجمل الأدب أشده غرابة وجنونًا (..) وأن تكون في صراع داخلي عنيف مع فوضى متصاعدة من الأحاسيس والمشاعر. بهذا يكون الإنسان كاتبًا".
•    لذلك تأتي لحظة الإبداع مثل الفرحة النادرة بغتة، تقول ص 305: "الكتابة الصادقة الإبداعية هي التي تأتي دون التخطيط لها. تأتي بتلقائية تفرغ مشاعر الكاتب في الوقت الذي يحتاج فيه إلي التفريغ".
•    وتستعين بالمنقول، فتقول لنا الرواية، إن مباغتة الكتابة تعني أنه ليس للإبداع عمر، ص 297: "الكاتب البريطاني من أصل بولندي جوزيف كونراد كتب روايته الشهيرة (قلب الظلام) وهو في الثانية والأربعين من عمره. والفيلسوف الفرنسي الذي كتب روايته (كنديد) وهو في الرابعة والستين من عمره".
•    وتربط بين الحزن المستديم، والكتابة، بل تري أنهما متلازمة لا يمكن فك لزوم أحد حديها للحد الآخر، تقول ص 192: "الكتابة لا ينجبها إلا الحزن العميق .. الحزن القاهر .. الحزن الشاهق .. للقلم لغته".
•    وثنائية (الكتابة / الحزن) متجذرة بالرواية، تقول ص 166: "لا يستطيع الإنسان أن يكون شاعرًا إلا عندما يعادل وزن أحزانه وزن جسمه إذا كانت الأحزان ُتقاس بالوزن، فبقدر أحزان الشاعر، يكون تدفق المشاعر والأفكار".
•    وتصف الرواية في تعبيرات جميلة، تدفق المشاعر وعشها قلم الكاتب، تقول ص 306: "القلم الصادق هو الذي يهجم على الورقة البيضاء بجنون المشاعر وتدفقها، بتلقائية عجيبة. القلم الصادق برأيى هو الذي يحركه حزن وألم المشاعر".
•    وتبدو لمحة التفاؤل بالطب بالإبداع، والشفاء بالبوح، تقول الرواية ص 131: "الفن الحقيقي يمحو العتمة ببمحاة الإبداع".
ويأتي الحقل الدلالي المر بالرواية حول ذبح البوح ذاته، ونحر مواساة الإنسان المسحوق بالكلمات، فتكون مأساة وجودية مكتملة الأركان:
•    حيث المفردة الأثيرة بالرواية، ص 149: "ألغام الواقع غالبًا ما تنسف جبال الأماني الشاهقة".
•    فكان الإنسحاب، ص 137 "يُسجن النور، ويُترك الظلام طليقًا، لأن كل شيء في دولة السراب على أحسن حال". 
•    ثم التقرير المفزع الذي يدمي قلوب القراء: "لن تهدا عواصف الحزن .. فآثر أن يبتعد .. سيأوي إلى مكان يعصمه من طوفان الاستبداد والظلم".
•    حيث موت الكلام وبلاغة الصمت، تقول ص 180: "ألغام المفاجأة مزروعة في صمت الأعماق، ولا يقوى أحد على تفكيكها. ماذا يقال عن مواقف موت الكلام، ونطق الصمت؟".
•    وحيث الصمت يلتصق بالأعماق، تقول ص 169: "وحدة ملغومة بالصمت، يرتدي الهدوء بأناقة في السجون، يلتصق الصمت بالأعماق كما يلتصق الطلاء بالجدران".
•    فانفرطت مسبحة الكلام، تقول ص 154 (بتصرف): "قدرة الصمت علي التعبير أحيانًا تفوق قدرة الكلمات الصارخة (وإذا نطقت فإن نطقي جارح / وإذا صمت فإن صمتي قاتل)، انفرطت مسبحة الكلام، فتناثرت الكلمات، دون ان يقوى على إلتقاط كلمة واحدة (..) هذا يحدث عندما تموت اللغة في الأعماق التي أصبحت تجد في صمتها اللغة المعبرة".