حزب الله يدفع النازحين السوريين للعودة طوعا وكراهية

في بلدتين حدوديتين هما عرسال اللبنانية والقصير السورية مشاهد متناقضة تختزل الاعتبارات الجيوسياسية في معالجة ملف النازحين السوريين.



نازحون سوريون يعودون لمدينة القصير


لبنان يهدم أكواخا للنازحين في عرسال لدفعهم للعودة إلى ديارهم


حزب الله يوظف ملف النازحين السوريين لكسر عزلة دمشق

القصير(سوريا)/عمان - تروج الحكومة السورية لعودة النازحين من لبنان وغيرها من دول الجوار لإظهار سيطرتها على الوضع، في الوقت الذي يشكل فيه لبنان الذي يستضيف عشرات آلاف النازحين على أراضيه وضعا استثنائيا لاعتبارات جيوسياسية واقتصادية.

وتطالب الحكومة اللبنانية المجتمع الدولي بدعمها في أزمة النازحين السوريين وترغب في مغادرتهم لمناطقهم، إلا أنها ترفض التعامل مع النظام السوري في هذا الملف، مؤكدة أن المعالجة والتنسيق في هذا الملف يجب أن تمر عبر الهيئات الأممية.

لكن لحزب الله الذي يهيمن وحلفاؤه على الحكومة اللبنانية والذي يقاتل دعما لنظام الرئيس السوري رأي آخر فهو يوظف ورقة النازحين لإعادة تطبيع لبنان الرسمي العلاقات مع دمشق.

ولم تشهد مدينة القصير السورية التي كانت ذات يوم مركزا تجاريا يعج بالحركة في غرب البلاد أي قتال منذ أن طردت القوات الحكومية مسلحين من المعارضة السنية قبل ستة أعوام بمساعدة جماعة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران.

وأجزاء كبيرة من المدينة محطمة ولم يرجع من الآلاف الذين فروا من العنف سوى نحو عشرة آلاف شخص فقط أي عُشر تعداد سكانها قبل الحرب.

ويقول سكان سابقون يعيشون في الخارج إن هذا يعود لأسباب منها أن القصير التي تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن الحدود اللبنانية أصبحت منطقة أمنية لا يدخلها سوى من يحمل إذنا خاصا.

وتريد الحكومة السورية في ما يبدو إظهار أن هذا الوضع يتغير حيث رافق الجيش اليوم الأحد حوالي ألف شخص من السكان السابقين الذين فروا إلى أجزاء أخرى من سوريا، أثناء عودتهم إلى المدينة حيث احتشدوا في الشوارع للاحتفال.

ورفع البعض رايات حزب الله ذات اللونين الأصفر والأخضر. والجماعة اللبنانية ذات النفوذ من حلفاء الرئيس السوري بشار الأسد ولعبت دورا محوريا في هزيمة مقاتلي المعارضة في القصير وأجزاء أخرى من غرب سوريا.

وصول نازحين سوريين إلى مدينة القصير السورية قادمين من لبنان
العائدون إلى القصير رفعوا أعلام حزب الله وسوريا

وتقول مصادر في أجهزة مخابرات غربية إن المنطقة لا تزال جزء في حزام من الأراضي في سوريا يتمتع فيه حزب الله بنفوذ قوي بما في ذلك السيطرة على حركة الناس.

وعلى الرغم من أن بعضا ممن كانوا يسكنون القصير وشاركوا في رحلة العودة اليوم الأحد قالوا إنهم عادوا إلى المدينة بشكل نهائي فإن آخرين قالوا إن بيوتهم تضررت لدرجة تجعلها غير صالحة للعيش.

وقال جمال حب الدين (45 عاما) إن منزله في المدينة "سوي بالأرض" لكنه أراد أن يرى بعينيه ما ينبغي فعله حتى يحاول أن يعود مرة أخرى قريبا.

وأضاف "احنا نطالب الدولة تساندنا بالمادة لبناء بيوتنا المهدمة". وعندما فر حب الدين من القصير بسبب القتال فر إلى مدينة حمص عاصمة المحافظة. وقال إنه سار عند العودة على نفس الطريق الذي سلكه للفرار.

واجتمع الحشد في القطاع الشرقي من القصير حيث فتحت المتاجر أبوابها اليوم الأحد. وتعرض الحي لأقل نسبة ضرر جراء المعارك لكن بعض المباني بدت متضررة وبعضها تعرض لدمار جزئي أو ظهرت على جدرانها آثار الطلقات النارية.

ونُقلت المكاتب الحكومية إلى هذه المنطقة بمجرد توقف القتال في منتصف عام 2013. ومعظم من عادوا إليها هم من الموظفين وعائلاتهم.

وأُعلن عن بعض المبادرات الأخرى التي نظمتها الدولة لعودة النازحين داخليا في سوريا الذين يبلغ عددهم 6.2 ملايين شخص إلى معاقل المعارضة السابقة، لكن الاستجابة لتلك المبادرات كانت ضعيفة. ومعظم تلك المناطق لا تزال تشهد وجودا أمنيا كثيفا فيما لا تزال باقي المناطق مفتقرة للخدمات الأساسية.

وقال طلال البرازي محافظ حمص لوسائل إعلام رسمية سورية إن الحكومة نظمت الزيارة ضمن مسعاها لإعادة سكان القصير النازحين إلى ديارهم، لكنه أضاف أن 30 بالمئة على الأقل من المدينة تعرض للدمار وأن إعادة البناء لن تتم على وجه السرعة. وأبلغ البرازي تلفزيون الإخبارية المملوك للدولة بأن إعادة بناء القصير "تحتاج لوقت".

وكانت المدينة الحدودية مع لبنان والمناطق المجاورة لها طريقا للمهربين لفترة طويلة. واستغلت المعارضة المسلحة هذه المنطقة قبل تعرضها للهزيمة وتحولت الآن إلى طريق إمداد رئيسي لجماعة حزب الله اللبنانية داخل سوريا.

وجعل هذا الأمر المنطقة مستهدفة من إسرائيل التي عادة ما تشن ضربات جوية داخل سوريا ضد القوات المدعومة من إيران.

وسكان القصير الذين فروا إلى أنحاء أخرى من سوريا هم فقط جزء من القصة حيث سعى آلاف آخرون للجوء في لبنان واستوطن كثيرون بلدة عرسال. وقال البرازي إن عودتهم متوقفة على التصاريح الأمنية وعودة الخدمات الأساسية، بينما يتضاءل على الأرجح أي احتمال لعودتهم في الوقت الحالي.

والوضع في القصير يبدو مختلفا عن ذلك الذي في مدينة عرسال اللبنانية الحدودية مع سوريا، حيث قام السلطات وبأمر من الجيش اللبناني بهدم العديد من بيوت النازحين السوريين الذين فروا من الحرب.

وتشكل تلك الخطوة محاولة للضغط على النازحين للعودة إلى ديارهم ومنعهم من أن يستوطنوا في أرض لبنانية بدعوى عدم الوجود الأمان في مناطقهم بسوريا.

الجيش اللبناني هدم بعض منازل النازحين السوريون في عرسال
الجيش اللبناني هدم بعض منازل النازحين السوريون في عرسال

وأصبح بيت ديما الكنج الآن كومة من الأنقاض والقضبان المعدنية الملتوية. ولم يكن البيت سوى كوخ أُقيم بالإسمنت قرب الحدود اللبنانية لكنها قضت خمس سنوات وهي تحاول أن تجعله مريحا لأولادها بعد فرارها من الحرب في سوريا ثم اضطرت لهدمه بأوامر من الجيش.

وتقول وكالات الإغاثة إن ديما واحدة من آلاف اللاجئين السوريين الذين شملهم قرار حكومي بهدم الهياكل شبه الدائمة في شرق لبنان. ومن المحتمل أن يصبح 15 ألف طفل على الأقل بلا مأوى.

ويعمل لبنان على التشدد في تطبيق لوائح العمل والسكن التي ظل بعضها موضع تجاهل لسنوات، على أكثر من مليون لاجئ سوري يعيشون على أرضه. كما تعالت أصوات الساسة اللبنانيين مطالبين السوريين بالرحيل.

وقالت سبع وكالات عالمية تعمل في مجال الإغاثة إن الجيش هدم 20 بيتا للاجئين يوم الاثنين الماضي.

وفي مخيم عرسال المؤقت الذي تعيش فيه ديما ويبلغ عدد المقيمين فيه 450 شخصا، قال لاجئون إن الجيش وصل فجرا ومعه جرافة وهدم بضعة مساكن.

وعاد الجنود بعد يومين لتذكير الناس بضرورة هدم الجدران الإسمنتية والأسقف المعدنية.

وبعدها دفعت ديما (30 عاما) مبلغا من المال لرجال من مخيم قريب لهدم بيتها بالمثقاب إذ فضلت أن تهدمه بنفسها بدلا من الاضطرار لذلك مرغمة. وانتقلت هي وأبناؤها الأربعة الصغار إلى كوخ جارهم على الناحية الأخرى من الطريق الترابي، حيث يكتظ بهم مع أكثر من عشرة أشخاص آخرين.

وقال بعض الناس في المخيم إنهم يريدون إتباع اللوائح لكنهم اكتشفوا صعوبة الالتزام بالمواعيد وتدبير الأموال اللازمة للمعدات. كما أن عليهم التخلص من الركام.

ويخشى البعض أنهم لن يتمكنوا من إقامة الخيام المسموح بها من الخشب وألواح البلاستيك التي لا تكاد تحميهم من الشتاء القاسي في عرسال.

وكانت المرة الأولى التي أخطرهم فيها الجيش بالأمر قبل شهرين تقريبا ومنحهم فترات سماح منذ ذلك الوقت. ولم يعلق الجيش على عمليات الهدم لكن مصدرا عسكريا قال إن القوات تنفذ لوائح قانونية.

ووصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية أمر الهدم بأنه "واحد من إجراءات كثيرة مؤخرا لزيادة الضغط على اللاجئين السوريين من أجل العودة" لبلادهم.

وقالت المنظمة يوم الجمعة إن من هذه الإجراءات زيادة عدد حالات الاعتقال والترحيل وإغلاق المتاجر وحظر التجول والطرد وغيرها في الأشهر السابقة.

ووصف عدد من المسؤولين اللبنانيين اللاجئين وأغلبهم من السُنة، بأنهم خطر على لبنان وحذروا من أن الأكواخ الإسمنتية ستؤدي إلى استيطان اللاجئين بصفة دائمة.

وقال لاجئ سوري يشرف على المخيم نفسه في عرسال واسمه أبوفراس إنه لو كان الأمر بيد اللاجئين لعادوا.

وتقول السلطات اللبنانية إن عشرات الالاف من اللاجئين عادوا مع هدوء القتال واستعادة دمشق السيطرة على مناطق كثيرة من سوريا، غير أن وكالات الإغاثة تقول إن الكثيرين لديهم مخاوف من العودة لبلدهم ومن هذه المخاوف الإجراءات الانتقامية والتجنيد في الجيش وفقدان الممتلكات أو تجدد موجات العنف.