حزمة تمويلات ضخمة تعزز الحضور القطري في لبنان
بيروت - يشير إعلان قطر عن حزمة تمويلات للبنان تتجاوز قيمتها 400 مليون دولار إلى تحول جوهري في السياسة الخارجية القطرية تجاه بيروت، ينقل الدوحة من دور "المسهّل السياسي" أو المغيث الإنساني إلى مربع المستثمر الإستراتيجي الذي يوظف الأزمة لترسيخ نفوذ طويل الأمد.
وفي ظل انهيار اقتصادي شامل، تدرك الدوحة أن الدخول من بوابة "الاحتياجات الخدمية" هو الطريق الأقصر للتغلغل في النسيج الاجتماعي والسياسي. وفي هذا السياق أعلن وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، محمد الخليفي، اليوم الاثنين تخصيص 40 مليون دولار لقطاع الكهرباء، وهو الملف الأكثر استعصاءً في لبنان.
ومن شأن النجاح القطري في ملف أخفقت فيه الطبقة السياسية اللبنانية لعقود، أن يمنح الدوحة "قوة ناعمة" هائلة. ومع تراجع الدور الفرنسي وتعثر مشاريع استجرار الطاقة من الأردن ومصر، تبرز قطر كلاعب "حلول" ملموسة، مما يربط القرار الخدمي اللبناني بالرؤية القطرية، ويخلق حالة من "الارتهان التقني" للجانب القطري.
وأثار الإعلان عن 360 مليون دولار لمشاريع "غير محددة" تساؤلات حول "الغموض" الذي تنتهجه قطر، حيث يرى محللون أن هذه الضبابية تمنح الدوحة مرونة سياسية ومناورة عالية؛ إذ يمكن استخدام هذه المبالغ كحوافز للضغط باتجاه إصلاحات معينة، أو كرافعة لدعم قوى سياسية تتقاطع مع توجهاتها.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن قطر تترقب بذكاء تشريعات إعادة هيكلة المصارف و"صندوق استرداد الودائع"، بهدف تحويل المساعدات إلى استثمارات مباشرة في أصول الدولة الاستراتيجية مثل مرفأ بيروت، قطاع الاتصالات، أو التنقيب عن الطاقة، مما يضمن لها مقعداً دائماً في "مجلس إدارة" الاقتصاد اللبناني المستقبلي.
وبالتوازي مع الدعم المالي، أطلقت قطر مشروعاً للعودة الطوعية لمئة ألف لاجئ سوري بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، مدفوعة برغبتها في تقديم نفسها كمنقذ من أزمة يصفها اللبنانيون بـ"الوجودية"، مما يعزز رصيدها الشعبي ويرسخ دروها كوسيط إقليمي لا غنى عنه بين الأطراف الدولية والنظام السوري ولبنان.
وتراهن قطر على استثمار تموضعها "الفريد"؛ فهي طرف مقبول من حزب الله (كقوة فاعلة على الأرض) وحليف حيوي لواشنطن والغرب، لتحصين استثماراتها أمنياً وسياسياً، والتحول إلى "صمام أمان" معترف به من جميع الأطراف المتصارعة.
ويرى محللون أن قطر لا تقدم "هبات" مجردة، بل تنفذ استراتيجية "الاستحواذ الهادئ" على حصص في مستقبل لبنان، بالنظر إلى أن ربط المساعدات بقطاعات حيوية (كهرباء، اقتصاد، ديموغرافيا) يحوّلها من مجرد "متبرع" عابر إلى "شريك بنيوي" في الدولة اللبنانية، مما يضمن لها "الفيتو" أو "الكلمة المسموعة".