حزمة مراسيم سلطانية ترسم ملامح عمّان المستقبل

إعادة تشكيل مجلس الوزراء، تكرس ملامح المرحلة الجديدة، سواء من حيث استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، أو من حيث التوازن بين الاستمرارية والتجديد في التشكيلة الوزارية.
السلطان هيثم يُعيد ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي العماني
المراسيم السلطانية تحمل بعدا إداريا وتنظيميا واضحا
السلطان هيثم يُؤسس لآلية أكثر فاعلية في اتخاذ القرار الاقتصادي
المراسيم السلطانية تعزز التكامل بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ الاقتصادي

عمان - في خطوة لافتة تعكس تسارع وتيرة إعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها على إيقاع التطورات والتحولات في المنطقة والعالم، أصدر سلطان عُمان هيثم بن طارق الاثنين، حزمة واسعة من المراسيم السلطانية بلغ عددها 16 مرسوما، حملت في مضامينها رسائل سياسية واقتصادية وإدارية عميقة سواء من حيث توقيتها أو من حيث ارتباطها المباشر برؤية عُمان 2040 وبمسار تحديث الجهاز الإداري للسلطنة، بينما تشير هذه المراسيم في دلالاتها السياسية والاقتصادية إلى انتقال من مرحلة التأسيس والإعداد إلى مرحلة التمكين والتنفيذ العملي للرؤية الوطنية بعناوين أكثر وضوحا وحسما.

وأبرز ما ميّز هذه المراسيم هو التركيز الواضح على البعد الاقتصادي بوصفه رافعة أساسية للتحول الشامل، وهو ما تجسد في إنشاء مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وإسناد هذا المنصب إلى ذي يزن بن هيثم آل سعيد، بينما لا يمكن فصل هذه الخطوة عن إدراك متزايد بأهمية التنسيق المركزي للسياسات الاقتصادية والمالية والاستثمارية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والدولية وتقلبات أسواق الطاقة، فاستحداث هذا المكتب يمنح الملف الاقتصادي ثقلاً سياسيًا أعلى، ويؤسس لآلية أكثر فاعلية في اتخاذ القرار الاقتصادي وربطه مباشرة بأعلى مستويات السلطة التنفيذية.

كما يأتي إنشاء "مركز عُمان المالي العالمي" كخطوة نوعية تهدف إلى تعزيز مكانة السلطنة كمركز مالي إقليمي وتوفير بيئة تشريعية وتنظيمية جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية، خاصة مع بروز منافسة بين دول منطقة الخليج على التحول إلى مراكز مالية وازنة حيث تعمل السعودية على تعزيز مكانتها كمركز مالي عالمي على غرار دبي التي تعد الأبرز في هذا المجال.

ويكتسب هذا المرسوم دلالة إضافية من خلال تبعية المركز لمكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بما يعكس توجّهًا نحو توحيد المرجعية الاقتصادية والمالية، وربط أدوات جذب الاستثمار بالإصلاحات الهيكلية الأوسع التي تشهدها السلطنة.

وإلى جانب البعد الاقتصادي، حملت المراسيم بعدًا إداريًا وتنظيميًا واضحًا، تمثل في إعادة توزيع الاختصاصات وإلغاء أو دمج عدد من الوحدات الحكومية، فإلغاء اللجنة العليا للمؤتمرات وإعادة تنظيم الأمانة العامة لمجلس الوزراء ومنحها شخصية اعتبارية واستقلالًا ماليًا وإداريًا، يعكسان توجّهًا نحو تبسيط الهياكل وتقليل الازدواجية، بما ينسجم مع مبادئ الحوكمة الرشيدة ورفع كفاءة الأداء الحكومي.

وتبرز أهمية خاصة لقرار دمج وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 في وزارة الاقتصاد، وهو قرار يحمل دلالة رمزية وعملية في آن واحد، فمن الناحية الرمزية، يؤكد أن الرؤية لم تعد مشروعًا منفصلًا أو إطارا نظريا، بل أصبحت جزءًا عضويًا من التخطيط الاقتصادي اليومي للدولة.

ومن الناحية العملية، يهدف الدمج إلى تعزيز التكامل بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ الاقتصادي، وضمان أن تتحول أهداف الرؤية إلى سياسات وبرامج قابلة للقياس والتقييم.

وفي قطاع التعليم، عكست المراسيم توجّهًا إصلاحيًا عميقًا من خلال دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار في وزارة واحدة هي "وزارة التعليم"، وإنشاء هيئة مستقلة للبحث العلمي والابتكار، إلى جانب إعادة تسمية وتنظيم الهيئة العُمانية لضمان جودة التعليم.

وتشير هذه الخطوات إلى مقاربة شمولية تعتبر التعليم والبحث العلمي والابتكار منظومة واحدة مترابطة وتؤكد الرهان على رأس المال البشري بوصفه ركيزة أساسية لتحقيق أهداف رؤية 2040، خاصة في مجالات الاقتصاد المعرفي والتنافسية الدولية.

كما حملت المراسيم المتعلقة بتعديل نظام جهاز الاستثمار العُماني وتعيين نائبين لرئيسه دلالات على تعزيز الحوكمة داخل أهم ذراع استثماري للدولة، بما ينسجم مع توجهات تنويع مصادر الدخل وتعظيم العائد على الأصول السيادية. ويُقرأ هذا التعديل في سياق السعي إلى رفع كفاءة إدارة الاستثمارات وتوزيع الصلاحيات بما يسمح بمرونة أكبر في اتخاذ القرار.

أما إعادة تشكيل مجلس الوزراء، فقد جاءت لتكرّس ملامح المرحلة الجديدة، سواء من حيث استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، أو من حيث التوازن بين الاستمرارية والتجديد في التشكيلة الوزارية. ويعكس هذا التشكيل حرص القيادة على الحفاظ على الخبرات المتراكمة، مع الدفع بوجوه قادرة على إدارة ملفات التحول الاقتصادي والاجتماعي في المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه المراسيم من حيث التوقيت، في مرحلة مفصلية تشهد فيها السلطنة انتقالًا تدريجيًا من إدارة التحديات المالية إلى استثمار فرص النمو، مستفيدة من استقرار سياسي داخلي وتحسن نسبي في المؤشرات الاقتصادية وتزايد الحاجة إلى جهاز إداري أكثر رشاقة وفعالية. كما أن صدورها دفعة واحدة يمنحها قوة دفع سياسية وإدارية، ويبعث برسالة واضحة عن جدية الدولة في المضي قدمًا في مسار الإصلاح.

وتعكس حزمة المراسيم في مضامينها وتوقيتها، رؤية متكاملة لإعادة هندسة الدولة العُمانية على أسس أكثر كفاءة ووضوحًا، وتؤشر إلى انتقال رؤية عُمان 2040 من إطار استراتيجي إلى ممارسة مؤسسية يومية. وهي مراسيم لا تكتفي بإعادة ترتيب الهياكل، بل تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين التخطيط والتنفيذ، وبين الاقتصاد والإدارة، بما يعزز قدرة السلطنة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واستدامة.