حكومة عبدالمهدي تكابد لاحتواء غضب مدينة الصدر

مدينة الصدر تظهر دوما كشبح لا يمكن السيطرة عليه يلوح على مشارف بغداد حيث أن مقتل عدد كبير من المحتجين سيفجر دائرة من القتل والانتقام.



بغداد تخشى أن يحشد الصدر لاحتجاجات عارمة


الصدر ساند الاحتجاجات الأخيرة لكنه لم يدع أنصاره للمشاركة


عبدالمهدي يجتمع بزعماء دين وعشائر للبحث عن مخرج للأزمة


زعيم عشائري يحذر الحكومة من عدم الوفاء بتعهداتها


عائلات ضحايا مدينة الصدر قد تلجأ للثار لمقتل أبنائها

بغداد - لم تدفع أيام من الاحتجاجات الدامية المناهضة للحكومة في بغداد ومدن عراقية أخرى السلطات إلى تقديم تنازلات حقيقة تذكر، لكن عندما سقط قتلى في ضاحية فقيرة مضطربة ردت السلطات بشكل مختلف.

وبعد مقتل محتجين في مدينة الصدر، أمر الجيش بالانسحاب من المنطقة وللمرة الأولى أقرت قوات الأمن باستخدام القوة المفرطة ووعدت بمحاسبة المسؤولين عن العنف. كما وعدت السلطات بضخ المزيد من الأموال لمساعدة الفقراء.

وتقول مصادر أمنية وزعماء محليون ومشرعون ومحللون إن بوادر حدوث تصعيد في الضاحية السكنية مترامية الأطراف التي هاجم منها مقاتلون شيعة القوات الأميركية بعد الغزو عام 2003، أثارت قلق الحكومة لأنها تعني مشاكل خطيرة للعراق واضطرابات أكثر دموية.

وقال الشيخ شياع البهادلي وهو زعيم أحد العشائر "سيكون هناك أناس غاضبون. من فقد أخاه أو قريبا له سيودون الانتقام من خلال العشائر".

وأضاف "نحاول تهدئة الوضع والحديث مع المتظاهرين وجميعهم أقاربنا لأنه إذا وصل الأمر إلى حمل السلاح أو تدخلت فيه الأحزاب، فسيخرج العراق عن السيطرة وسيكون هناك المزيد من إراقة الدماء".

لكنه نبه الحكومة إلى ضرورة اتخاذ خطوات لتطبيق إصلاحات حقيقية وإلا فستستمر الاحتجاجات. وألقى باللوم في الاضطرابات على ما وصفه بفساد السلطات.

ويتفق بعض المحللين على أنه من غير المرجح أن تكون إصلاحات الحكومة كافية لإرضاء عراقيين كثيرين يطالبون بإصلاح النظام السياسي بأكمله والنخبة الحاكمة البغيضة التي يقولون إنها أبقت معظم العراقيين يعيشون في حالة بؤس حتى في زمن السلم.

الحكومة العراقية تتوجس من عمليات انتقام وثأر ينفذها أهالي ضحايا قتلوا في مدينة الصدر
الحكومة العراقية تتوجس من عمليات انتقام وثأر ينفذها أهالي ضحايا قتلوا في مدينة الصدر

ووصلت الاحتجاجات التي تفجرت في وسط بغداد الأسبوع الماضي وامتدت لمدن جنوبية، إلى مدينة الصدر لأول مرة يوم الأحد. وبمقتل أكثر من 12 شخصا بها ارتفع إجمالي عدد القتلى إلى 110 أشخاص على الأقل، معظمهم من المحتجين.

وحطمت هذه الاضطرابات استقرارا نسبيا استمر عامين تقريبا في العراق الذي شهد احتلالا أجنبيا وحربا أهلية واجتياحا لتنظيم الدولة الإسلامية بين عامي 2003 و2017. كما مثلت أكبر تحد للأمن منذ إعلان هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

وكثير من المحتجين شبان من ضاحية مترامية الأطراف تمثل رمزا لنقص الخدمات وفرص العمل والفساد الحكومي الذي فجر غضبا عاما ويقطنها كثيرون من أنصار الزعيم الشيعي القوي مقتدى الصدر.

وانحاز الصدر الذي بمقدوره حشد عشرات الآلاف من أنصاره، للمحتجين الأسبوع الماضي وطالب باستقالة الحكومة والدعوة لانتخابات معربا عن معارضته للحكومة ومجلس النواب الذين تسيطر عليهما قوى سياسية وبرلمانية مدعومة من إيران، لكنه لم يدع أنصاره للاحتشاد في الشارع.

وذكر التلفزيون الحكومي اليوم الثلاثاء أن رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي اجتمع مع زعماء دينيين وعشائريين من ذوي النفوذ للبحث عن مخرج للأزمة.

وأصدر مجلس الوزراء العراقي في جلسته التي عقدت اليوم الثلاثاء برئاسة عبدالمهدي حزمة ثانية من الإجراءات العاجلة تلبية لمطالب المتظاهرين.

وشملت القرارات تشكيل لجنة عليا لتوزيع الأراضي السكنية برئاسة رئيس الوزراء وعضوية كل من وزير الإعمار والاسكان نائبا لرئيس اللجنة والأمين العام لمجلس الوزراء ورئيس سكرتارية الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات ومدير عام عقارات الدولة ومدير عام المساحة العسكرية - وزارة الدفاع ومدير عام الأراضي الزراعية – وزارة الزراعة وممثل عن مكتب رئيس الوزراء ومدير عام التسجيل العقاري.

وفيما يؤكد مخاطر دوامة العنف، قالت الشرطة إن أحد أفراد قوات الأمن قٌتل في بغداد بينما أٌصيب أربعة آخرون الليلة الماضية بأعيرة نارية أُطلقت من حشد من المحتجين بينهم أعضاء عائلات لقتلى من مدينة الصدر يوم الأحد.

واقترحت الحكومة بشكل أولي تقديم منح للفقراء وتوفير فرص عمل أكبر للخريجين. وفي بغداد اصطف العشرات اليوم الثلاثاء أمام وزارة العمل على أمل تلقي رواتب وُعدوا بها حديثا.

وقال عضو في مجلس النواب ينتمي للحشد الشعبي الذي يضم عناصر مسلحة مدعومة من إيران، إن التحركات يمكن الآن أن تشمل إقالة قادة أمن في بغداد ومحافظات شهدت تفجر أعمال عنف.

وأضاف النائب عبدالأمير التعيبان "الحكومة تُعّوّض عائلات القتلى من المحتجين وأفراد الأمن". وكان الرد على المحتجين في بادئ الأمر عنيفا.

وشاهد صحفيون قتل وإصابة محتجين بنيران قناصة من قوات الأمن كانوا يطلقون النار على الحشود من أسطح الأبنية رغم نفي وزارة الداخلية إطلاق قوات الحكومة النار مباشرة على المحتجين.

وقال البروفيسور توبي دودج من كلية لندن للاقتصاد، إن العنف في مدينة الصدر التي تحتضن شوارعها الضيقة ثلث سكان بغداد البالغ عددهم ثمانية ملايين نسمة، دفع على الأرجح الساسة إلى التحرك بشكل بناء أكثر لمعالجة مطالب المحتجين.

وقال "تظهر مدينة الصدر دوما كشبح لا يمكن السيطرة عليه يلوح على مشارف المدينة...قتل عدد كبير من الناس في مدينة الصدر سيفجر دائرة من القتل والانتقام".

وأضاف "دخول مدينة الصدر في هذا الأمر والمستوى المرتفع من العنف قد دفع إلى هذا الاعتذار" وذلك في إشارة إلى بيانات رسمية أقرت بخطأ قوات الأمن.

وألقت شخصيات مؤيدة لإيران باللوم في العنف على متسللين مزعومين مدعومين من أعداء أجانب وحذروا من أنه، ورغم مشروعية الإصلاح، فإنه من الممكن مواجهة أي مظاهرات أخرى بالمزيد من القوة.

وقال فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي يوم الاثنين إن البعض يقولون إن الاحتجاجات كانت مفاجئة وعفوية، لكنه أوضح أن لديه مؤشرات استخباراتية أخرى.

وأضاف أن الرد على من يرغبون في الإضرار بالبلاد سيكون واضحا ودقيقا من قبل الدولة ومؤسساتها، مشيرا إلى أنه لن توجد فرصة لانقلاب أو تمرد، مضيفا أن قوى خارجية تسعى للاستفادة من الفوضى في العراق.

وقال دودج إنه ومع كل وعود الإصلاح فإن السلطات ستعتمد على القوة للحفاظ على الوضع الراهن، مضيفا "الطريقة التي تعاملت بها النخبة الحاكمة مع هذا الارتفاع في الاحتجاجات الشعبية قهرية على نحو لا يصدق. إغلاق الانترنت واستهداف الصحفيين. اعتقد أن هذه خطوة واضحة باتجاه الاستبداد".