حلم يرزح تحت ثقل المسؤولية على 'رف الأمتعة'

الفيلم المعروض في بالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش يقدم تجربة إنسانية مغربية صادقة، تجسّد صراع الشابة نور بين حلمها الشخصي ومسؤوليتها في رعاية والدها المصاب بالخرف، عبر سرد واقعي وأداء تمثيلي مؤثر وقريب من الحياة اليومية.

عند مشاهدة فيلم "رفع الأمتعة"، شعرنا بتجربة عاطفية مغربية شعبية تمزج بين مكافحة الشابة "نور" ومسؤولياتها العائلية، التي نعيش معها رحلة بين رغبتها في تحقيق حلم الطهو في باريس وبين التزامها برعاية والدها "موسى" المصاب بالخرف، فنجد أن الفكرة تحكي تجربة مألوفة للعديد من الأسر التي تواجه تحديات تقدم الوالدين في السن وظهور الأمراض العصبية، كما لاحظنا أن تكوين اللقطات يبرز الموضوع بطريقة سلسة وخفيفة على القلب، مع مصداقية عالية في التعبير عن المشاعر اليومية وتعب الإنسانية.

الفيلم من سيناريو وإخراج عبد الكريم الفاسي، وإنتاج أسماء الفاسي، وبطولة كل من أحلام تغدويني، المحجوب بن موسى، محمد شعرة، وتصوير سيورز موسمان، وديكور وإدارة فنية من إيريس شوتيفار، ومونتاج سيورد شيبر، وصوت راندال ماكدونالد، وموسيقى من تأليف فالونتان حجاج. وتمتد أحداث الفيلم لمدة 104 دقائق، باللغات الهولندية، الدارجة المغربية والفرنسية، وعُرض في قاعة السفراء بحضور طاقم العمل ضمن فقرة بانوراما السينما المغربية.

ويتبين من خلال مشاهدة العمل ان فكرة السيناريو رغم انها مستهلكة، فطريقة تناولها كانت جذابة وسلسة للغاية، إذ عبرت مشاهد الأحداث اليومية والحوار الواقعي قدرة الفيلم على تقريب الجمهور من الشخصية، وجعل الصراع بين الحلم والمسؤولية محسوسًا تلقائيا. ولاحظنا أن السيناريو نجح في خلق توازن بين الجانب العاطفي والجانب الاجتماعي، جعله قادرًا على إيصال تجربة مألوفة ومؤثرة لجمهور واسع.

ويضيف الأداء التمثيلي الصادق للفتاة المكافحة والأب المسن، انسجاما بينهما، حينمة جسدت البطلة " نور" التردد والحيرة بين مستقبلها ومسؤولياتها تجاه والدها، بينما قدم الرجل المسن مزيجًا من العفوية والفكاهة الواقعية. ولاحظنا أن الأداء جعل الشخصيات حقيقية ومتصلة بالواقع، وسمح لنا بالاندماج العاطفي مع تفاصيل حياتهم اليومية والصراع النفسي العميق الذي يعيشه العديد من المشاهدين.

ويمكننا أن نفهم الضغوط العاطفية والنفسية الناتجة عن رعاية الوالدين المريضين، خاصة مع أمراض مثل الزهايمر والخرف المبكر، وأن العلاقة بين الأخوة والفتاة تبين خلافات حقيقية، مع تقديم المشاعر بشكل متوازن ومقنع وعفوي، وهذا المنهج جعل الفيلم قريبًا من التجربة الإنسانية اليومية، وأعطانا شعورًا بالمشاركة في تجربة حقيقية مغربية مغربية.

ويشكل الإيقاع البطيء الذي سيطر على أجزاء من الفيلم، خاصة مع غياب الموسيقى التصويرية التي كانت لتضفي الحيوية على المشاهد وتوجه المشاعر، لأن البطء أحيانًا يخلق فراغًا دراميًا أثر على تسلسل الاحداث للمشاهد، بينما مزيج الإيقاع والموسيقى أمر أساسي لدعم المشهد، خصوصًا في الأفلام الطويلة التي تتجاوز التسعين دقيقة.

وفقد الفيلم الانتقالية السردية بعد مرور ساعة، ما أثر على الربط بين الأحداث والنهاية المنطقية، وهذا الفراغ جعل بعض اللحظات تبدو منفصلة عن سياقها، وأضعف التماسك الدرامي الذي يحتاجه المشاهد لمتابعة تطورات القصة بسلاسة. ويظهر هذا أهمية التخطيط الدقيق للانتقالات داخل الفيلم لضمان استمرار الانغماس العاطفي والتسلسل المنطقي للأحداث.

ويبين مشهد الشرطة على الحدود نقطة ضعف أخرى، إذ بدا كليشيه تلفزيوني لا يتوافق مع البيئة الجبلية التي تتطلب تدخل الدرك الملكي وليس شرطياً عادياً. كما لاحظنا أن هذا المشهد قلل من مصداقية الفيلم وأضعف الإحساس بالواقعية، وأوضح الحاجة إلى الاهتمام بالتفاصيل الجغرافية واللوجستية لضمان صحة المشهد ضمن سياق السرد.

ويمكن اعتبار المشاهد الكليشيهية مثل مشهد الطفل بائع الحلويات على البحر، الذي لم يخدم تطور الشخصيات أو تعزيز الحبكة، وأن إضافة مشاهد ثانوية بلا هدف واضح قد تشتت الانتباه وتضعف أثر المشاهد الأساسية، ويعبر هذا أن كل مشهد يجب أن يخدم السرد العام ويضيف قيمة درامية أو إنسانية لتقوية التجربة السينمائية.

ربما بعض المشاهد الطويلة لم تضف للدراما الإيقاع الكافي. ورأينا أن الأفلام الطويلة تحتاج إلى مزيج دقيق بين النص والإخراج والمونتاج والموسيقى، وإلا فإنها تصبح معرضة للفراغ الدرامي. ويبرز هذا التحدي صعوبة المحافظة على انتباه المشاهد طوال مدة الفيلم الطويلة، وهو أمر شائع في السينما المستقلة.

وعنوان فيلم "رفع الأمتعة" نجح في طرح رؤية صادقة عن الصراع بين الحلم والمسؤولية الأسرية، إذ شعرنا أن الفيلم يحكي ضغوط الشباب أمام أمراض الوالدين وأزمات الأسرة، مع تقديم أداء تمثيلي عفوي وجيد وإنساني واقعي، بينما يؤكد العمل قدرة السينما المستقلة على تقديم أعمال متكاملة تجمع بين الواقعية الفنية والصدق الإنساني، وتجربة مشاهدة متوازنة بين الحزن والفكاهة والتأمل الاجتماعي.