حوار تلفزيوني أم أداء تمثيلي

ميغان ماركل "مثلت" أكثر مما ينبغي في علاقتها مع الصحافة منذ دخولها القصر الملكي، لكنها اليوم تشعر بحرية أكبر بعد خروجها لذلك كان حوارها المثير استغلالا ربحيا لسيرتها.


ربما تكون وينفري ملهمة للكثيرين في إطلالتها التلفزيونية، لكنّ “أداءها التمثيلي” إزاء إجابات ميغان لا يخفي الكثير مما جرى الإعداد له لهذه المقابلة تحديدا بشأن فقرة العنصرية ضد لون بشرة أرتشي طفل دوقة ساسكس.

لدينا قصة صحافية على مدار أسبوع كامل فيها من “التمثيل” وترف المعاناة بقدر ما فيها من الأداء الصحافي والتلفزيوني!

يكفي أن نعرف أن أكثر من عشرين محطة تلفزيونية أبرمت صفقات مع قناة “سي.بي.إس” الأميركية لإعادة بث مقابلة الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل، دوق ودوقة ساسكس، مع المحاورة الأميركية أوبرا وينفري. وقناة “أي.تي.في” البريطانية وحدها دفعت 1.3 مليون دولار مقابل حقوق بث المقابلة.

نحن في بريطانيا انتظرنا يوما كاملا لمشاهدة مقابلة الساعتين على قناة “أي.تي.في” والأرقام الأولية تشير إلى 12.8 مليون مشاهد تابعوا الحوار، ذلك ما يمثل فرصة لتحريض الشركات على المزيد من الإعلانات لدى القناة. كم حصل الضيفان على مقابل مالي، ذلك سؤال آخر.

الادعاءات والكلام المثير من قبل ميغان بشأن سنوات بين الأسرة الملكية، يشكلان قصة صحافية بامتياز لن تنتهي تداعياتها الإعلامية خلال الأيام القادمة، بل ستثير المزيد من التحريض ضد السياسيين والعلاقة التي تربط الأسرة الملكية بالقيم الإنسانية.

المقابلة فيها من الاتهامات بالعنصرية داخل العائلة المالكة في بريطانيا ما يثير تاريخا من التساؤلات، تفتح الشهية للتنكيل مجددا بالملكية. مع أن أفرادا في الأوساط الملكية لم يتوانوا عن وصف المقابلة بأنها أشبه بـ”سيرك”!

من الصحيح القول إن مقابلة الساعتين الخالية من أي مسايرة، تشكل السيناريو الأسوأ قبل أن تعد وينفري جمهورها بأن الحوار سيكون “صادما لأبعد الحدود”. هذه صناعة صحافية، بيد أنها لا تخفي الأموال التي ستجنيها محطة “سي.بي.إس”. أما قناة “أي.تي.في” البريطانية فقد اختارت استخدام توصيف عسكري لما حصل خلال المقابلة. وقالت “الزوجان شحنا قاذفة قذائف بي-52 وسيّراها فوق قصر باكينغهام وأفرغا ترسانتها فوقه”.

ربما تكون وينفري ملهمة للكثيرين في إطلالتها التلفزيونية، لكنّ “أداءها التمثيلي” إزاء إجابات ميغان لا يخفي الكثير مما جرى الإعداد له لهذه المقابلة تحديدا بشأن فقرة العنصرية ضد لون بشرة أرتشي طفل دوقة ساسكس.

فتحليل مضمون الساعتين التلفزيونيتين يشير إلى أن هناك الكثير من “التجارة” خلف النيات الطيبة في حوار القناة التلفزيونية. هناك الكثير من التمثيل من ميغان الممثلة السابقة ومن أداء المحاورة ويفري. التعبير عن الدهشة ليس من مهام الصحافي على أي حال! خصوصا عندما يتعلق الأمر بلون البشرة. وكأن المحاورة لم تتعرض للعنصرية بشأن لون بشرتها في مجتمعها الأميركي.

دعك من الشكوك بشأن المعلومات التي ذكرت، يكفي معرفة أن ميغان في مزاعمها الاستعراضية لن تجد الكثير من البريطانيين للتعاطف معها. لقد قضت أوقاتا في التدريب قبل الزواج على تقاليد شرب الشاي في نيويورك من أجل أن تستوعبها الطقوس الملكية الأرستقراطية. ومن السهولة بمكان استعادة علاقتها السيئة مع والدها والتي كانت تفتقد إلى الاحترام بينهما. بقيت ميغان تقسو على والدها إلى حد رفض التحدث معه مع كل توسلاته، وهي في النهاية ابنته مهما ارتكب من أخطاء.

نشرت صحيفة التايمز البريطانية قبل أيام تقريرا قالت فيه إن ثلاثة من موظفي القصر الملكي سبق وأن تقدموا بشكاوى ضد ميغان خلال فترة وجودها في القصر. إذ قامت بطرد اثنين من المساعدين الشخصيين من القصر وقوضت ثقة موظف آخر بنفسه.

ميغان ماركل "مثلت" أكثر مما ينبغي في علاقتها مع الصحافة منذ دخولها القصر الملكي، لكنها اليوم تشعر بحرية أكبر بعد خروجها لذلك كان حوارها المثير استغلالا ربحيا لسيرتها

ميغان ماركل "مثلت" أكثر مما ينبغي في علاقتها مع الصحافة منذ دخولها القصر الملكي، لكنها اليوم تشعر بحرية أكبر بعد خروجها لذلك كان حوارها المثير استغلالا ربحيا لسيرتها

نفس الصحيفة اعتبرت أن ما كشفت عنه مقابلة الأمير هاري وزوجته ميغان جاء “أسوأ مما كان يخشاه القصر”.

لكن الصحافة البريطانية لم تمسح أرشيفها بعد عن “هاري القذر” العنوان الأشهر قبل سنوات مع صورة له وهو يحاول مسك صدر مذيعة في نادي ليلي وتقبيلها، كما أن صورته يعلق شعار النازية على يده مازالت ماثلة.

الحياة السرية في القصر الملكي ليست مثالية، ولا تخلو من الدسائس والتمييز والكراهية، فكراهية الدوقة كاميلا زوجة الأمير تشارلز ولي العهد، للأميرة الراحلة ديانا مازالت ماثلة للعيان. والناس في المملكة المتحدة لا يأبهون بالعائلة الملكية، إنهم فقط لا يهتمون بها، لكن أغلب البريطانيين يدركون على الأغلب ما يحصل هناك من خلافات خلف الظهور الأنيق للملكة إليزابيث الثانية وأسرتها، لذلك يتعاطفون مع الأجواء الحزينة التي عاشتها الأميرة الراحلة ديانا.

صحيح أيضا أن ليس كل البريطانيين يحبون العائلة المالكة، لكن ميغان لن تجد الكثير ممن يتعاطف معها، سيكون كلامها قصة مفيدة جدا لوسائل الإعلام للأيام المقبلة. لكنها لن تعيد صناعة التاريخ خصوصا ما يتعلق بالعنصرية، فموضوع العرق والملونين في بريطانيا أمر أكبر بكثير من العائلة الملكية نفسها. إنه جزء من تاريخ البلاد الاستعماري وحاضرها الكوزموبلتيك. يكفي أن هوية العاصمة لندن هي اللاعرقية بوجود أكثر من ستين لغة متداولة فيها جنب الإنجليزية.

ميغان “مثلت” أكثر مما ينبغي في علاقتها مع الصحافة منذ دخولها القصر الملكي، لكنها اليوم تشعر بحرية أكبر بعد خروجها لذلك كان حوارها المثير استغلالا ربحيا لسيرتها. هي ليست من طبقة النبلاء وزواج والديها المختلط ليس أكثر من قصة مكررة في دول مازالت آثار العنصرية ماثلة في تاريخها. وهذا ما استغلته في الكلام عن لون بشرة طفلها قبل أن تلده.

لكن كيت ميدلتون زوجة الأمير وليم شقيق زوجها ليست من طبقة النبلاء أيضا، بل هي من أسرة بريطانية متوسطة الحال، مع ذلك يرى فيها غالبية البريطانيين الصورة المثالية الجميلة لما رسخ في أذهانهم عن الأميرة الراحلة ديانا. ذلك ما لم تنجح فيه الممثلة السابقة ميغان.

في النهاية نجحت وينفري بوصفها ملهمة لحوارات “الثقافة التلفزيونية الشعبية” في زيادة رصيد شهرتها وأموالها بمقابلة مع اثنين من المشاهير الملكيين الهاربين من قصر باكينغهام، لإثارة اهتمام الملايين. لكن تعبيرات وجهها “غير البريئة” لحظة الحديث عن لون بشرة ابن ميغان، تحمل أكثر من الصدمة المفتعلة عندها!

الحوار التلفزيوني جعل الملايين من المشاهدين يصابون بالذعر والصدمة من مزاعم الزوجين بأن العنصرية تجاه ماركل وعواقبها المختلفة كانت السبب الرئيسي وراء فرارهما من القصر البريطاني إلى قصر جديد في كاليفورنيا المشمسة.

لكنّ سؤالا مثل “لماذا عليّ أن أهتم باثنين من المدللين” سيتكرر كثيرا بين البريطانيين، لحظتها لن تقدر وسائل الإعلام إهمال مثل هذا السؤال، لأنه سيكشف جزءا من حقيقة ميغان غير المعروفة بعد في القصر الملكي البريطاني.