حين يتحوّل الحب إلى فخّ مُحكم في 'في الأدغال'

رواية البلجيكية أديلين ديديونيه تعتبر تشريحا دقيقا ومؤلما لمسارات التآكل النفسي والهيمنة الخفية داخل العلاقات، حيث تنجح في تفكيك آليات العنف المنزلي وتجلياته اليومية، وإن كان أثرها التحليلي قد طغى أحيانا على عمقها العاطفي.

أغلقت رواية "في الأدغال" Dans la jungle لأديلين ديودونيه وأنا أحمل شعورا معقدا يصعب اختزاله في إعجاب أو خيبة. لم تكن القراءة رحلة للبحث عن نهاية مجهولة، فالمأساة كانت معلنة منذ البداية، وإنما كانت محاولة لفهم ذلك الخيط الخفي الذي يحول الحياة اليومية إلى مساحة يزحف فيها الخوف بصمت. وبين الصفحات، وجدتني أتأمل أكثر مما أتابع الأحداث، وأطرح أسئلة عن السلطة والحب والعجز، وعن تلك اللحظات التي نرى فيها الخطر يقترب دون أن نعرف كيف نوقفه.

تبدأ بعض الروايات من لقاء عابر أو مصادفة صغيرة أو وعد بالحب. أما هذه الرواية فتبدأ من النهاية نفسها. من غرفة موحشة يجلس فيها موثق قانوني أمام أوراق وأرقام وحسابات، فيما تجلس امرأتان أنهكهما الفقد إلى حد لم يعد بينهما رابط سوى الموت. لا دموع هنا، لا صراخ، لا مراث طويلة. هناك جداول مالية، نسب مئوية، وحقوق إرث تحتسب بدقة باردة. وكأن المأساة، بعد أن التهمت أصحابها، لم تترك خلفها سوى ملفات إدارية تنتظر الإغلاق.

في تلك اللحظة القاسية تضع أديلين ديديونيه القارئ أمام سؤال يكاد يكون أكثر رعبا من الجريمة ذاتها: كيف يتحول البشر، بعد أن يفارقوا الحياة بطريقة عنيفة، إلى أرقام قابلة للحساب؟ كيف يصبح الدم الذي أريق موضوعا ضريبيا؟ وكيف تستطيع اللغة القانونية أن تقف فوق أطلال أسرة محطمة دون أن ترتجف؟

منذ الصفحات الأولى نعرف كل شيء تقريبا. أورولي ماتت. طفلاها ماتا معها. آرنو، الزوج والأب، قتلهم جميعا ثم أنهى حياته. لا وجود للغموض التقليدي الذي يدفع القارئ إلى التساؤل عمن ارتكب الجريمة. السؤال هنا مختلف تماما: كيف وصل الجميع إلى هذه الحافة؟ ما الطريق الطويل الذي يقود إنسانا إلى أن يتحول من شريك حياة إلى جلاد؟ وما العلامات التي كانت موجودة منذ البداية ولم يلتفت إليها أحد بما يكفي؟

ما شدني أيضا أن الرواية لا تتعامل مع الجريمة بوصفها حدثا استثنائيا يقع خارج الحياة العادية. على العكس، تكاد تقول إن أكثر الوقائع رعبا قد تنمو داخل أكثر البيوت هدوءا. لا توجد إشارات درامية صارخة منذ البداية، ولا شخصيات تقدم نفسها باعتبارها شريرة بصورة واضحة. وهذا ما يمنح السرد ثقله الحقيقي. فالقارئ لا يواجه وحشا يمكن التعرف إليه بسهولة، ولكن يواجه سلوكا يتسلل تدريجيا إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى يصبح جزءا منها.

تعود الرواية بالزمن إلى الوراء، إلى عام 2006، إلى أمسية رياضية في ريف بلجيكي هادئ. هناك يظهر آرنو للمرة الأولى: شاب طويل القامة، هادئ، واثق من نفسه، يملك تلك الجاذبية التي تجعل الآخرين ينجذبون إليه قبل أن يفهموا السبب. كم من الكوارث الكبرى بدأت بهذا الشكل؟ بابتسامة؟ بنظرة مطمئنة؟ بحضور يبدو للوهلة الأولى مثاليا؟

إن أكثر ما يلفت الانتباه في البناء السردي هو أن معرفة النهاية لا تضعف التوتر، وإنما تضاعفه. يتحول كل مشهد إلى نبوءة صغيرة. يكتسب كل تفصيل عادي ظلا مخيفا. الكاميرات المنزلية التي تبدو في البداية وسيلة عصرية للراحة والأمان تتحول تدريجيا إلى عيون مراقبة لا تنام. مشاركة الموقع الجغرافي بين الزوجين، وهي تقنية تبدو بريئة في ظاهرها، تنكشف شيئا فشيئا كأداة للسيطرة. ما يبدو اهتماما قد يكون مراقبة. وما يبدو حبا قد يكون شكلا متقدمامن التملك.

هنا تبرز إحدى أهم نقاط قوة الرواية: قدرتها على تفكيك آليات الهيمنة النفسية التي لا تُرى بسهولة. لا يبدأ العنف دائما بصفعة. كثيرا ما يبدأ بسؤال متكرر، أو بغيرة تُفسَّر على أنها اهتمام، أو بتدخل بسيط في تفاصيل الحياة اليومية. ثم تتراكم الأشياء ببطء شديد حتى يجد الضحية نفسه داخل شبكة محكمة يصعب إدراك حدودها.

تكشف الرواية هذه العملية بتأنٍ شديد. الوصول إلى الرسائل الخاصة، مراقبة التحركات، استحضار الأخطاء القديمة عند كل خلاف، خلق شعور دائم بالذنب، تحويل الطرف الآخر إلى شخص مدين عاطفيا على الدوام. إنها تفاصيل يعرفها كثير من المختصين في العلاقات السامة، غير أن الرواية تمنحها جسدا وحياة، وتجعل القارئ يرى كيف تعمل داخل يوميات عادية تبدو من الخارج مستقرة وطبيعية.

ومع ذلك، فإن الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام ليست آرنو، ولا حتى أورولي، وإنما سوزان، والدة أورولي.

هذه المرأة تمثل مأساة مختلفة تماما.

إنها الأم التي ترى ما لا يريد الآخرون رؤيته. تشعر بأن ابنتها تتغير. تلاحظ أنها أصبحت أقل إشراقا، أقل حرية، أقل حضورا. تدرك أن شيئا ما يحدث في الداخل، داخل تلك المساحة المغلقة التي تسمى حياة زوجية. لكنها لا تملك الدليل الحاسم. لا تملك القدرة على اقتحام الجدران. تعرف وتشك، وتخاف وتتردد، وتقترب ثم تتراجع.

كم يشبه هذا الواقع؟

كم من أمّ أو صديق أو أخ رأى إشارات الخطر ولم يعرف كيف يتصرف؟ كم من شخص وقف أمام مأساة تتشكل ببطء وهو عاجز عن التدخل؟ إن العجز هنا ليس عجزا عن الفهم، ولكن عجز عن الإنقاذ.

وهذه واحدة من أكثر الأفكار إيلاما في الرواية: ليس كل من يرى يستطيع أن يمنع. أحيانا تكون الرؤية نفسها عبئا ثقيلا. أن تعرف أن شخصا تحبه يسير نحو الهاوية، وأن تمد يدك مرارا، ثم تكتشف أن اليد الأخرى لم تعد قادرة على الإمساك بك.

كما أن الرواية تثير سؤالا نادرا ما نتوقف عنده: ما حدود مسؤولية المحيطين بالضحية؟ فمن السهل بعد وقوع المأساة أن نتساءل لماذا لم يتدخل أحد، لكن النص يكشف أن الواقع أكثر تعقيدا. فالتدخل ليس دائما ممكنا، والنصح ليس دائما مسموعا، والروابط العاطفية التي تحكم العلاقات الإنسانية تجعل كل خطوة محفوفة بالخوف من خسارة الشخص الذي نحاول إنقاذه. لهذا بدت لي سوزان شخصية تتجاوز دور الأم في الحكاية لتصبح تجسيدا لعجز إنساني أوسع.

غير أن الرواية، رغم كل هذا العمق الموضوعي، تترك فراغا في منطقة أساسية.

أورولي نفسها تبقى بعيدة.

نتابع حياتها ثلاثة عشر عاما تقريبا، نراقب قراراتها، تنازلاتها، محاولاتها للتكيف، وانكساراتها المتتالية، لكننا لا ندخل تماما إلى عالمها الداخلي. لا نسمع ذلك الصوت الخافت الذي كان يمكن أن يخبرنا بما كانت تشعر به حقا عندما كانت تغلق الباب خلفها ليلا، أو عندما كانت تبتلع خوفها في صمت، أو عندما كانت تكتشف أن حدودها الشخصية تتآكل يوما بعد يوم.

ربما كان هذا خيارا فنيا مقصودا. فالهيمنة النفسية تقوم أساسا على محو الذات. تففد الضحية تدريجيا ملامحها الخاصة حتى تصبح نسخة باهتة من نفسها. لكن السؤال يبقى قائما: هل يكفي أن نفهم هذه الحقيقة نظريا، أم أن الرواية تحتاج أيضا إلى أن تجعلنا نحس بها من الداخل؟

هنا تحديدا يبدو أن العمل يفضل التفسير على المعايشة.

وربما يعود ذلك أيضا إلى طبيعة المشروع الذي اختارته الكاتبة. فهناك روايات تسعى إلى إدخال القارئ في التجربة العاطفية بكل ما تحمله من ارتباك وألم، بينما تبدو "في الأدغال" أقرب إلى محاولة فهم الظاهرة وتشريحها. لهذا خرجت من القراءة وأنا أملك صورة أوضح عن آليات السيطرة النفسية، في حين بقي الأثر العاطفي أقل حدة مما توقعته من موضوع بهذه القسوة.

ومن أكثر الرموز حضورا في الرواية صورة الغابة أو الأدغال المستوحاة من أفكار الباحثة ديان فوسي. الفكرة الأساسية تقوم على مراقبة المفترس كما يراقب علماء الأحياء الحيوانات في بيئتها الطبيعية. معرفة عاداته، أنماط تحركه، وأساليب سيطرته.

الفكرة جذابة للغاية في البداية. فهي تنقل العلاقة السامة من مستوى الأخلاق إلى مستوى التشريح النفسي. تجعلنا ننظر إلى العنف كمنظومة لها قوانينها الخاصة.

لكن مع التقدم في القراءة تتكرر هذه الاستعارة كثيرا، فتفقد شيئا من قوتها. بعض الصور تزداد جمالا عندما تترك لتعمل بصمت داخل النص. أما حين يعاد شرحها مرارا فإنها تتحول إلى تفسير مباشر يفقد شيئا من سحره.

ثم تأتي النهاية.

بعد رحلة طويلة امتدت لسنوات من التوتر والتراكم والانهيار البطيء، يتسارع الإيقاع فجأة. تمر الأحداث الأخيرة بسرعة أكبر مما توحي به أهمية اللحظة نفسها. كأن الرواية التي أمضت صفحات كثيرة في تشريح الجرح استعجلت الوصول إلى نهايته.

وهنا يبرز سؤال شديد القسوة: ماذا حدث داخل عقل آرنو في اللحظة الأخيرة؟

ليس بهدف تبريره أو التعاطف معه. الفارق بين الفهم والتبرير شاسع، ولكن لأن الشر، حين يبقى منطقة معتمة بالكامل، يثير فضولا معرفيا لا يمكن تجاهله. ما الذي يحدث لإنسان حتى يصبح قتل أسرته خيارا ممكنا في وعيه؟ أي انهيار نفسي أو أخلاقي أو وجودي يسبق هذه اللحظة؟

ترفض الرواية الخوض في هذا الفراغ، وتتركه مفتوحا.

وربما في هذا الاختيار شيء من الحكمة. فتركيز الضوء على الضحايا يمنع الجاني من احتكار المشهد. لكنه يترك القارئ أيضا أمام مساحة من الأسئلة التي تستمر بعد إغلاق الكتاب.

تبدو "في الأدغال" رواية مهمة لأنها لا تتحدث عن العنف بوصفه انفجارا مفاجئا، وإنما بوصفه مسارا طويلا من التآكل الخفي. إنها تذكرنا بأن الكوارث العائلية الكبرى لا تولد عادة في ليلة واحدة. هناك سنوات من الإشارات الصغيرة، من الصمت، من الخوف، من التنازلات المتراكمة، ومن الأبواب التي أُغلقت في الوقت الخطأ.

ومع ذلك، فإن الرواية تنجح أكثر في إقناع العقل مما تنجح في زلزلة الوجدان. إنها تقدم معرفة دقيقة، وتفكيكا واعيا، وتشريحا متقنا لآليات السيطرة النفسية. غير أن الأدب، في أعمق تجلياته، لا يكتفي بأن يجعلنا نفهم؛ إنه يجعلنا نشعر بأن الجرح حدث داخلنا نحن.

وهنا يبرز التأمل الأخير الذي تتركه الرواية في النفس:

هل يمكن للإنسان أن يتعرف إلى القفص وهو ما يزال يتشكل حوله؟ وهل يبدأ الاستعباد عندما تسلب الحرية، أم عندما يعتاد المرء غيابها؟ وهل أكثر ما يخيف في المفترس هو عنفه الظاهر، أم قدرته المذهلة على إقناع ضحيته بأن الأدغال هي العالم الوحيد الممكن؟

تلك هي الأسئلة التي تبقى معلقة بعد الصفحة الأخيرة، مثل صدى بعيد يتردد بين الأشجار الكثيفة، حيث لا يُسمع صوت الضحايا دائما، لكن آثارهم تبقى شاهدة على الطريق الذي قادهم إلى العتمة.