حين ينمو الشكل ويهتز النظام في 'الحدائق النحتية'

الرواية لجاك أبيل تعتبر تجربة أدبية متفرّدة خارجة عن سياقها الزمني، متأملاً من خلالها في الصراع الفلسفي بين جمود المنظومة المغلقة وسعي الحياة نحو التغيير.

قرأت "الحدائق النحتية" Les Jardins statuaires لجاك أبيل قبل سنوات، بدافع فضول تجاه اسمها، وقد دونت آنذاك بعض الملاحظات حولها، ثم عدت إليها لاحقا فطورت تلك الملاحظات دون أن أكتب عنها كتابة كاملة في حينه.

حين صدرت هذه الرواية في أوائل الثمانينيات، بدت وكأنها قادمة من زمن آخر، كصوت متأخر يخوض معركة انتهت منذ زمن. في تلك المرحلة، كان المشهد الأدبي الفرنسي قد انحاز بقوة إلى التجريب، إلى التيارات الحداثية التي نظّر لها رولان بارت وفيليب سوليرس وجان ريكاردو، فظهرت هذه الرواية كجسم غريب، خارج عن إيقاع زمنه، لا يساير الذائقة السائدة ولا يستجيب لانتظاراتها، فتم تجاهلها سريعا، كأن الأدب لم يكن مستعدا لها بعد. غير أن الزمن يعيد ترتيب الأشياء ببطء، وما يُهمل في لحظة قد يعود حين تتبدل المعايير، وهذا ما حدث بعد عقود، حين أُعيد اكتشاف الرواية، وبدأ اسم صاحبها ينتقل بين القراء ككنز خفي، دليل على أن القيمة لا ترتبط دائما باللحظة التي تظهر فيها، ولكن أحيانا باللحظة التي يعاد فيها النظر إليها.

لا يشبه هذا العمل ما استقر عليه التيار الغالب في الأدب الفرنسي، طريقه خاص، قليل السالكين، أقرب إلى أرض لم تُستنفد بعد، حيث يشعر القارئ بأنه يواجه تجربة مختلفة لا تعتمد على التشابه مع ما يعرفه، إنما على بناء عالم مستقل له منطقه الداخلي. الكتابة هنا مشدودة، متحفظة، لا تسعى إلى الإبهار السريع، إنما إلى تشكيل بنية متماسكة تتكشف تدريجيا، فلا يجد القارئ نفسه أمام قصة فقط، إنما أمام كون كامل التفاصيل، له قوانينه غير المعلنة. وإذا كان جون رونالد تولكين قد شيد عالما متخيلا مكتمل العناصر بلغاته وتاريخه، فإن جاك أبيل يسلك اتجاها مختلفا، يقوم على الحذف بدل الإضافة، وعلى التجريد بدل التكديس، فلا أسماء تقريبا، ولا إشارات زمنية أو جغرافية واضحة، عالم يبدو مألوفا في ملامحه العامة، وغريبا في تفاصيله الدقيقة، كأنه انعكاس غير محدد لأي واقع ممكن.

تقوم الفكرة في هذا العالم على أراض مغلقة يعمل فيها الناس على "زراعة" تماثيل تنمو من الأرض، لا بوصفها أعمالا فنية يصنعها أفراد، إنما كنتاج بطيء لتفاعل بين الطبيعة والعمل الجماعي، حيث يتدخل البشر لتوجيه النمو لا لخلقه. يشكل هذا النشاط أساس مجتمع كامل، مجتمع مستقر إلى حد الجمود، تحكمه قواعد صارمة، وتقاليد متوارثة، واستمرارية تكاد تكون هدفا في حد ذاتها. كل حديقة وحدة قائمة بذاتها، مغلقة، مكتفية، متشابهة في جوهرها رغم اختلافاتها السطحية، يعيش أهلها داخل حدودها، ويكرسون حياتهم لصيانة هذا النظام الذي يبدو أبديا. الراوي، وهو غريب عن هذا العالم، يدخل إليه دون معرفة مسبقة، فيكتشفه تدريجيا، فينقل دهشته إلى القارئ، ويجعله يشاركه تجربة الاقتراب من نظام يبدو متماسكا في الظاهر، ثم يكشف شيئا فشيئا عن هشاشته العميقة.

يتعلق السؤال الذي يفرض نفسه مع تقدم السرد بمصير عالم بلغ هذا الحد من الثبات، إذ إن الاستقرار المطلق لا يترك مجالا للحركة، والحركة شرط الحياة. لا تُقدَّم الإجابة بشكل مباشر، إنما تتسلل عبر إشارات، ثم تتجسد في مشاهد قوية، منها حديقة تُركت دون رعاية، فاستمر فيها نمو "التمثال" حتى خرج عن السيطرة، وتحول إلى قوة هائلة تهدد كل ما حولها. تختصر هذه الصورة فكرة أساسية: حين يُترك الشكل دون توازن، ينقلب إلى خطر، وحين يبلغ النظام درجة قصوى من الصلابة، يبدأ في إنتاج ما يهدده من داخله. هنا يظهر التوتر بين قطبين، الشكل المنضبط الذي يسعى إلى التحديد والسيطرة، والحياة في حالتها المتغيرة التي تقاوم التثبيت، وكل انحياز كامل لأحدهما يؤدي إلى خلل، إما جمود يفضي إلى الموت، أو انفلات يقود إلى الفوضى.

لا يأتي الانهيار من الخارج فقط، إنه ينشأ أيضا من داخل هذا العالم، من عناصر همشها أو رفضها، ومن أشخاص خرجوا عن نظامه ثم عادوا على أطرافه حاملين طاقة مختلفة، كما أن حضور الراوي نفسه، بما يحمله من فضول وعلاقات وتجارب، يُدخل فكرة جديدة إلى هذا التوازن المغلق، فكرة أن ما هو قائم ليس نهائيا، وأن التغيير ممكن. هذه الفكرة البسيطة كافية لإحداث شرخ، لأن أي نظام يقوم على الثبات المطلق يتصدع بمجرد إدخال احتمال التحول.

يظهر تأمل فلسفي دقيق في عمق الرواية، حول العلاقة بين الحياة والشكل، إذ إن التمثال الذي ينمو ليحاكي أحد الأشخاص يرتبط بموت هذا الشخص، وكأن اكتمال الصورة يعني نهاية الكائن الذي تمثله. هنا يصبح الشكل تثبيتا لما هو حي، وتحويله إلى حالة نهائية، أي إلى ما يشبه الموت. لا يُقدَّم الفن، في هذا السياق، كامتداد للحياة، ولكن كتحويل لها إلى شيء ثابت خارج الزمن، وهو تصور يلامس تأملات فلسفية حول العلاقة بين الوجود وصوره، يمكن ربطها بأعمال لويجي بيرانديللو كما فُسّرت لدى أدريانو تيلغير، حيث يتحول الإنسان إلى صورة تفقده حركته الأصلية.

يعكس أسلوب الكتابة نفسه هذا التوتر، لغة دقيقة، متماسكة، متحفظة، تتجنب الإفراط كما تتجنب السطحية، تحمل طابعا كلاسيكيا واضحا دون أن تفقد قدرتها على استيعاب الخيال، فتبدو الجمل وكأنها مبنية بعناية، ثابتة في شكلها، وفي داخلها حركة خفية. ليس هذا التوازن بين الصرامة والحركة عنصرا أسلوبيا فقط، إنما جزء من بنية العمل، حيث يتجسد الصراع بين الثبات والتحول في كل مستوياته.

في النهاية، لا تقدم الرواية حكاية تقليدية، ولا تسعى إلى الإدهاش السريع، إنما ترسم لحظة دقيقة في حياة عالم وصل إلى أقصى درجات انتظامه، وبدأ يقترب من حدوده القصوى. ليست قصة سقوط مكتمل، إنها لحظة تسبق السقوط، لحظة يصبح فيها الانهيار ممكنا لأن الشروط التي تمنعه بدأت في التآكل. قد يستمر هذا العالم، وقد يختفي، لا أهمية حاسمة لذلك، لأن التغير الذي دخل إليه كفكرة لم يعد قابلا للإلغاء، وهذا يكفي لتحويله جذريا. بهذا المعنى، تبدو الرواية تأملا عميقا في مصير كل نظام مغلق يظن أنه بلغ الكمال، حيث يكمن خطره الأكبر في ثباته ذاته، وحيث تبدأ الحياة، في صمت، بالبحث عن طريقها خارج الأشكال التي حاولت احتواءها.