خطة اسرائيلية لتغيير ديمغرافية القدس تهدف لإنهاء حل الدولتين

إسرائيل بدأت بتطبيق مشروع تسجيل أراضي القدس في السجل العقاري 'الطابو الإسرائيلي'، بهدف إنهائه خلال أربع سنوات.
توسعة مستوطنة 'معاليه أدوميم"' عبر إضافة 3412 وحدة استيطانية
صعوبة إثبات ملكية الأراضي تعود إلى تشتت المقدسيين وتباعد الأجيال
حصار إسرائيلي مشدد على بلدات بمحيط القدس
مخطط 'القدس 2050' يستهدف رفع عدد الإسرائيليين إلى خمسة ملايين نسمة

القدس - قال مسؤول فلسطيني، إن إسرائيل تسعى لفرض سيادتها الكاملة على مدينة القدس وتغيير تركيبتها الديمغرافية من خلال تسريع مشاريع الاستيطان والبنى التحتية، محذرا من "خطة متكاملة" لعزل المدينة وتهجير السكان الفلسطينيين منها.

وأفاد المستشار الإعلامي لمحافظة القدس الفلسطينية معروف الرفاعي، في مقر المحافظة بضاحية البريد في بلدة الرام شمالي القدس.أن السلطات الإسرائيلية شرعت منذ مطلع عام 2025 بتنفيذ ما وصفه بـ"عام الحسم" في القدس عبر تسريع المشاريع الاستيطانية.

وأكد أن إسرائيل بدأت، عقب الحرب على غزة، بتطبيق مشاريع استيطانية جاهزة، على رأسها مخطط "القدس 2050"، الذي يستهدف رفع عدد السكان الإسرائيليين في القدس بشطريها الشرقي والغربي إلى خمسة ملايين نسمة، بحيث تتراجع نسبة العرب إلى أقل من 10 بالمئة.

ويعد هذا المخطط من أخطر مشاريع اليمين الإسرائيلي إذ بدأ الحديث عنه بالإعلام العبري عام 2017، ويشمل توسيع حدود بلدية القدس وإقامة مطار دولي قرب منطقة البقيعة التي لا تبعد إلا عدة كيلو مترات عن المدينة، وربطها بشبكة قطارات فضلا عن إقامة مناطق صناعية وتجارية وفنادق.

وحاليا، يقيم نحو 250 ألف مستوطن بالقدس الشرقية، ويرتكبون إلى جانب الجيش والسلطات الإسرائيلية اعتداءات يومية بحق الفلسطينيين هناك بما يشمل الإخلاء القسري لمنازلهم بهدف تهجيرهم وإحلال المستوطنين مكانهم.

وتؤكد الأمم المتحدة أن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ويقوض إمكانية تنفيذ حل الدولتين (فلسطينية وإسرائيلية)، وتدعو منذ عقود إلى وقفه، ولكن دون جدوى.

وفي إطار المشاريع التي بدأت إسرائيل تطبيقها في القدس الشرقية، قال الرفاعي إن تل أبيب شرعت بتنفيذ توسعة مستوطنة "معاليه أدوميم" عبر إضافة 3412 وحدة استيطانية.

إلى جانب ذلك، فقد بدأت بمخطط "إي 1" الذي يتضمن شق شارع من العيزرية إلى الزعيم، بما يمنع الفلسطينيين من استخدام شارع معاليه أدوميم الحالي.

مجمل المشاريع الاسرائيلية تشكل خطة متكاملة لعزل القدس، وتكثيف الاستيطان، ودفع الفلسطينيين إلى مغادرة المدينة قسرا

والعام الماضي، أقرت تل أبيب مخطط "إي 1" الاستيطاني الهادف لربط القدس بعدد من المستوطنات الواقعة شرقها في الضفة مثل مستوطنة معالي أدوميم، وذلك من خلال مصادرة أراضٍ فلسطينية وإنشاء مستوطنات، ولمنع أي توسع فلسطيني محتمل.

وفي سياق متصل، أشار الرفاعي إلى إقامة نحو 4 آلاف وحدة استيطانية في منطقة أم طوبة جنوب القدس، وإعلان ضم كتل استيطانية كبرى لإسرائيل.

وأبرز تلك الكتل، وفق الرفاعي، "غوش عتصيون (جنوب القدس) التي تضم نحو 43 ألف مستوطن، ومعاليه أدوميم (شرق القدس الشرقية) بنحو 62 ألفا، وجفعات زئيف (شمال غرب القدس) بحوالي 24 ألفا، وكوخاف يعقوب قرب مخماس (شمال شرق القدس) بنحو 20 ألف مستوطن، ليصل مجموعهم إلى قرابة 200 ألف مستوطن".

وبيّن الرفاعي أن ضم هذه الكتل واعتبار سكانها "مقدسيين" يهدف إلى "التلاعب بالتركيبة الديمغرافية وزيادة نسبة اليهود على حساب الفلسطينيين"، لافتا إلى تركيز العمل حاليا في منطقتي مستوطنة "آدم" (شرق) وشمال القدس.

وأشار إلى مشروع إسرائيلي لإقامة مستوطنات على أراضي "مطار القدس الدولي" المعروف باسم مطار قلنديا، حيث تعتزم إسرائيل إقامة 9 آلاف وحدة استيطانية في المرحلة الأولى منه، و11 ألف وحدة في المرحلة الثانية، ما يؤدي إلى فصل القدس عن محيطها الفلسطيني من الجهة الشمالية.

وهناك مخططات إسرائيلية لإقامة 2780 وحدة استيطانية في منطقة جبع، إلى جانب شق شبكة شوارع استيطانية لربط المستوطنات ببعضها. ووصف تلك المخططات بـ"حلقة استيطانية" تهدف إلى عزل القدس عن محيطها العربي، وإعاقة التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها.

وتترافق هذه السياسات مع حصار إسرائيلي مشدد على بلدات بمحيط القدس، مثل عناتا، جبع، حزما، والرام، عبر بوابات حديدية يمكن إغلاقها "بكبسة زر"، معتبرا أن هذه الإجراءات "تنهي عمليا حلم إقامة دولة فلسطينية مستقلة".

وحول ملف "تسوية الأراضي"، قال الرفاعي إن إسرائيل بدأت قبل أيام بتطبيق مشروع تسجيل أراضي القدس في السجل العقاري "الطابو الإسرائيلي"، بهدف إنهائه خلال أربع سنوات، محذرا من أن كل من لا يثبت ملكيته ستؤول أرضه إلى "أملاك دولة أو أملاك غائبين".

والثلاثاء، قالت منظمة "عير عميم" (الحقوقية اليسارية) الإسرائيلية، إن تل أبيب اتخذت مؤخرا قرارا جديدا يقضي باستكمال تسوية وتسجيل جميع أراضي مدينة القدس وذلك بحلول نهاية عام 2029 في الطابو.

وأضافت المنظمة أن هذه الخطوة "تُرسخ بشكل عملي فرض القانون والسيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية"، والتي هي أرض محتلة بموجب القانون الدولي ولا سيادة للقانون الإسرائيلي عليها.

وفي حديثه، قال الرفاعي إن إسرائيل نفذت بين عامي 2018 و2023 تسوية في نحو 2300 دونم، ولفت إلى أن الفلسطينيين "لم يتمكنوا من إثبات ملكيتهم إلا لنحو 1 بالمئة منها"، فيما جرى تصنيف 85 بالمئة من الأراضي التي تمت تسويتها كأملاك دولة أو غائبين.

وأرجع صعوبة إثبات الملكية إلى تشتت المقدسيين وتباعد الأجيال، مشيرا إلى أن إسرائيل تعتمد على وثائق تعود إلى عام 1881، وتتجاهل سجلات الطابو "البريطاني والأردني"، بهدف الاستيلاء على الأراضي وإخلاء السكان.

وتطرق الرفاعي إلى ما وصفه "تجزئة الأحياء العربية" داخل القدس، مشيرا إلى مشاريع استيطانية داخل الجدار، بينها إقامة 1400 وحدة استيطانية في موقع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، والإعلان عن 316 وحدة في حي الشيخ جراح.

وفي فبراير/ شباط 2025، قالت صحيفة "هآرتس" العبرية إن إسرائيل تخطط لإقامة حي استيطاني في الشيخ جراح يتكون من 316 وحدة سكنية ومبنى، وطرد عشرات العائلات الفلسطينية.

وأضاف الرفاعي أن ذلك ترافق مع سياسة إخطار الفلسطينيين بإخلاء المنازل وهدمها في بلدة سلوان، التي لا تبعد أحياؤها أكثر من 300 متر عن المسجد الأقصى.

وفيما يتعلق بشق شارع استيطاني جديد شمال القدس، قال الرفاعي إن السلطات الإسرائيلية شرعت بشق شارع رقم 45 شمال القدس، وذلك بين بلدتي الرام وقلنديا، ليربط بلدة مخماس بمحيط المدينة، حيث يتم ربطه بنفق جاهز قرب "مطار القدس الدولي".

وأوضح أن إسرائيل صادرت 280 دونما من أراضي بلدات "مخماس وجبع والرام" لصالح المشروع، الذي رُصد له نحو 400 مليون شيكل (نحو 150 مليون دولار)، بهدف ربط مستوطنات شمال القدس وشرق رام الله بمستوطنات الداخل.

وأضاف أن الشارع سيخدم أيضا مناطق صناعية إسرائيلية في مخماس وقرية الخان الأحمر (تقع على الطريق السريع شرقي القدس)، بما يسمح بوصول المنتجات الإسرائيلية إلى الموانئ والمطارات خلال أقل من 20 دقيقة.

وختم الرفاعي بالتحذير من أن مجمل هذه المشاريع تشكل "خطة متكاملة لعزل القدس، وتكثيف الاستيطان، ودفع الفلسطينيين إلى مغادرة المدينة قسرا".

ويتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمة لدولتهم المأمولة، استنادا إلى قرارات الشرعية الدولية، التي لا تعترف باحتلال إسرائيل للمدينة عام 1967 ولا بضمها إليها في 1980.

ومنذ أن بدأت الحرب بقطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كثفت إسرائيل عبر جيشها ومستوطنيها اعتداءاتها بالضفة، بما فيها القدس، بما يشمل القتل وهدم منازل ومنشآت وتهجير فلسطينيين والتوسع الاستيطاني.

ويحذر الفلسطينيون من أن هذه الاعتداءات تمهد، على ما يبدو، لإعلان إسرائيل ضم الضفة إليها رسميا، ما يعني نهاية إمكانية تنفيذ مبدأ حل الدولتين (فلسطينية وإسرائيلية) المنصوص عليه في قرارات صدرت عن الأمم المتحدة.