خطة حصر السلاح تفتح الباب لإعادة هيكلة القوات العراقية
بغداد – تكثف السلطات العراقية جهودها لإعادة تنظيم المشهد الأمني والعسكري في البلاد ضمن إطار مؤسسات الدولة، في مسعى يهدف إلى ترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سلطة المؤسسات الدستورية على جميع القوى والتشكيلات المسلحة.
وكشف الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان عن "ملامح خطة شاملة لإعادة انتشار القوات المسلحة، تهدف إلى سحب جميع القطعات العسكرية من مراكز المدن والمناطق الحضرية قبل نهاية العام الحالي، مع إسناد الملف الأمني الداخلي بشكل كامل إلى وزارة الداخلية وأجهزتها المتخصصة، ما يتيح لقطعات الجيش التفرغ التام لمهام حماية الحدود، وتعزيز القدرات الدفاعية، ورفع الجاهزية العسكرية".
وأضاف النعمان في تصريح لجريدة "الصباح" المحلية، إن "القيادة العليا تعتمد نهج الحوار والتنسيق البناء مع جميع القوى والتشكيلات الوطنية بعيداً عن لغة التهديد أو فرض المهل الزمنية الضيقة"، موضحا أن "المؤشرات الحالية أظهرت استجابة وطنية واسعة من تشكيلات أساسية بادرت طوعاً للامتثال للإجراءات الحكومية"، لافتاً إلى أن "اللجنة المركزية المتخصصة تواصل فتح قنوات الحوار لتغليب منطق الدولة والمؤسسات الدستورية".
ويُعد ملف تعدد القوى المسلحة من أكثر الملفات تعقيداً في العراق منذ عام 2003، إذ شهدت البلاد ظهور تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة ارتبط بعضها بظروف الحرب على الإرهاب ومواجهة تنظيم داعش، فيما اكتسبت أخرى نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً خلال السنوات الماضية. ومع تراجع التهديدات الأمنية الكبرى، برزت مطالب داخلية متزايدة بضرورة إعادة تنظيم هذه التشكيلات ضمن منظومة الدولة الرسمية، بما يضمن وحدة القرار الأمني والعسكري.
وتسعى الحكومة العراقية إلى بناء هيكل أمني أكثر تماسكاً من خلال إخضاع جميع القوى المسلحة للقيادة العامة للقوات المسلحة، بما يحقق وضوحاً في التسلسل القيادي ويمنع وجود مراكز قرار عسكرية متعددة. وترى السلطات أن وجود قوة عسكرية موحدة يخضع أفرادها للقوانين والأنظمة العسكرية الرسمية يمثل أحد أهم شروط تعزيز الاستقرار السياسي والأمني وترسيخ سيادة الدولة.
ويعكس اعتماد الحكومة على الحوار والتنسيق مع الفصائل والتشكيلات المسلحة إدراكها لحساسية الملف وتشابكاته السياسية والاجتماعية. فالكثير من هذه القوى تمتلك قواعد شعبية أو تمثيلاً سياسياً داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعل أي خطوات لإعادة هيكلة المشهد العسكري بحاجة إلى توافقات واسعة تضمن تحقيق الأهداف الحكومية دون إثارة توترات داخلية.
وشدد النعمان على "وجود تمييز قانوني واضح بين الجوانب الإدارية والعملياتية الخاصة بالمقاتلين"، مؤكداً أن "الحقوق المالية والرواتب والمخصصات الإدارية تمثل التزاماً دستورياً ثابتاً ومكفولاً لن يكون موضع مساس، مع استمرار دور هيئة الحشد الشعبي بصفة مؤسسة رسمية تابعة للدولة".
وأكد أن "الجانب العملياتي يخضع بصورة كاملة ومباشرة لسلطة القائد العام للقوات المسلحة عبر القنوات النظامية في وزارتي الدفاع والداخلية، لضمان وحدة القرار العسكري، وفك أي ارتباطات سياسية، وتحويل جميع القطعات إلى تشكيلات نظامية تعمل بانضباط مؤسساتي صارم بعيداً عن العناوين".
وترتبط جهود حصر السلاح بيد الدولة بمساعي العراق لتعزيز علاقاته الإقليمية والدولية وتقديم صورة عن دولة تمتلك مؤسسات أمنية موحدة وقادرة على فرض القانون. ويُنظر إلى نجاح هذه الجهود على أنه عامل مهم في جذب الاستثمارات وتحسين البيئة الاقتصادية، إذ يشكل الاستقرار الأمني أحد أبرز متطلبات التنمية وإعادة الإعمار.
وعلى الصعيد الميداني، أشاد النعمان بـ"الدور الذي اضطلعت به التشكيلات العسكرية في حماية مدينة سامراء"، مبيناً أن "خطوات دمج وتنسيق هذه القوات تهدف إلى تأطير دورها ضمن السياقات الرسمية ولا تستهدف إضعافها".
ويرى متابعون أن المؤشرات الصادرة عن القيادة العراقية توحي بوجود توجه رسمي نحو تنفيذ إصلاحات هيكلية طويلة الأمد تستهدف إعادة رسم العلاقة بين الدولة والتشكيلات المسلحة المختلفة. ويبدو أن السلطات تراهن على التدرج والتفاهم السياسي لتحقيق تقدم في هذا الملف، وصولاً إلى ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة باعتباره أحد أهم أسس بناء الدولة الحديثة وتعزيز سيادتها على كامل أراضيها.