خيبة أن تكون مطربا عربيا

يمكن تأمل عشرات المطربين وهم يلوكون الذكريات على مقاعدهم بعد أن وهنت أجسادهم ولم يعد من يسأل عنهم غير التلفزيونات القديمة.


فؤاد سالم الصوت الذي جمع العراقيين كما لم يجمعهم أي سياسي أو رجل دين آخر. عاش الاوجاع ومات مغتربا.

بقدر ما كان خبر بيع المغني الأميركي بوب ديلان قائمة أغانيه لمجموعة موسيقية بمبلغ 300 مليون دولار باهرا، فإنه موجع حد اللعنة لأجيال من المغنين العرب.

دعونا نتأمل الخبر من دون تعليق لنعكس دلالته على العشرات من المغنين والملحنين العرب الذين أرخوا للذائقة الفنية عبر عقود بوله وتساؤل مازال الحنين إليهم قائما بفضل “السيد يوتيوب” الرائع.

فقد باع المغني والملحن الأميركي الحاصل على جائزة نوبل للآداب بوب ديلان القائمة الكاملة لأغانيه التي تضم أكثر من 600 أغنية صدرت على مدى ستة عقود لقسم النشر الموسيقي التابع لمجموعة “يونيفرسال ميوزيك” بمبلغ يصل إلى 300 مليون دولار.

وذكرت المجموعة في بيان أن الصفقة تشمل أغاني الثقافة المضادة التي غناها ديلان في الستينات مثل “في مهب الريح” و”مثل حجر يتدحرج”.

وسبق وأن باع ديلان (79 عاما) أكثر من 125 مليون أسطوانة في مختلف أنحاء العالم.

إلى هنا والخبر ينتهي بالنسبة إلى وسائل الإعلام الغربية، وإن كان يتحمل تعليقات وآراء بغض النظر عن أهميتها، لكنه بالنسبة لأي مغنّ عربي من جيل ديلان! يثير مواجع أسى لا تعبر عنها كل أنغام الكمانات الحزينة.

في يوم ما صعدت في سيارة أجرة ببغداد وجلست جوار السائق الذي التفت لي بمجرد أن عرف وجهتي، فهي مؤسسة صحافية وفنية تهمه وتثير ذكرياته أيضا! لم أتكلم طوال الطريق بعد أن عرفت الفنان السائق وتاريخه الموسيقي، وخجلي ووجعي يمنعانني من إعلان معرفتي به. هو المتواري عن جمهوره خلف مقود سيارة الأجرة.

كان هذا السائق من بين أشهر مغني جيل السبعينات في العراق، بل وحظيت واحدة من أغانيه بشهرة لم تنلها أي أغنية عراقية أخرى، لم يجد هذا الفنان في نهاية عمره، ويؤسفني عدم ذكر اسمه احتراما لشخصه، غير أن يعمل سائقا لسيارة أجرة. أي خيبة يمكن أن يمثلها هذا الجحود بحق الفنان.

ليس هذا الفنان العراقي مثالا فرديا، بل يكاد يصل إلى ظاهرة توجع أجيالا من الفنانين العرب، ويمكن تأمل العشرات من المطربين وهم يلوكون الذكريات على مقاعدهم بعد أن وهنت أجسادهم ولم يعد من يسأل عنهم غير التلفزيونات القديمة. وهي تتداول أرشيفهم الغنائي من أجل الذكرى وحدها.

سبق وأن نشرت صحيفة العرب اللندنية مقالا للفنان الدكتور فاضل عواد يبث فيه خيبته من تاريخ وجمهور ووطن تنكر له، بعد أن كان شاهدا ومدونا لأحلام الملايين من العشاق في أغانيه، وأبناء جيل فاضل عواد الأحياء لا يترددون اليوم في تساؤلات مريرة وهم يعيشون تحت وطأة الحاجة والنكران والجحود. حسين نعمة مثلا لا يجد غير الشكوى بعد تاريخ فني متوج بالتعبيرية عن أحلام وآمال المحبين، وهو يتأمل أولاده العاجزين عن إيجاد فرصة عمل بعد أن أنهوا دراستهم الجامعية!

هل ثمة مرارة أقسى من تساؤل أمل خضير اليوم “ماذا حصلنا؟” من دون أن تنسى حب الناس وهو قيمة اعتبارية في النهاية، بينما يمثل صوتها الجوهرة الثمينة في قلادة الغناء العراقي.

لقد عاش الفنان الراحل فؤاد سالم أوجاع الاغتراب والترحال والحاجة بقدر لا يمكن لقلب فنان أن يحتمله، ومات غريبا، وهو فؤاد سالم الصوت الذي جمع العراقيين كما لم يجمعهم أي سياسي أو رجل دين آخر.

إذا كنت أدافع عن فكرتي بأمثلة من العراق وحده، فأعتقد أن العشرات من الفنانين في العالم العربي يشاركونني الخيبة وهم يعيشون الجحود والنكران بعد أن كانوا محبوبي الجماهير، من دون أن يفقدوا حماسهم لتهنئة بوب ديلان وهو يجد من يقدر تاريخه الغنائي.