دراسة نقدية أكاديمية موسَّعة في رواية نصار الحسن
ملخص
تتناول هذه الدراسة رواية "حبانجي" للروائي السوري نصّار الحسن بوصفها نصًّا سرديًّا إشكاليًّا يشتبك مع أسئلة السلطة والهوية وبناء الذات في سياق اجتماعي–سياسي مأزوم. وتسعى الدراسة إلى تفكيك البنية السردية للرواية، وتحليل أنساقها الرمزية وتمثّلاتها الاجتماعية، مع الوقوف عند جدلية الخضوع والتمرّد بوصفها المحرّك العميق للشخصيات والأحداث. وتعتمد الدراسة المنهج التحليلي–التأويلي، مع الإفادة من مقاربات النقد الثقافي والسوسيولوجي، للكشف عن الأبعاد الجمالية والفكرية للرواية.
الكلمات المفتاحية: الرواية السورية، السلطة، السرد السياسي، بناء الشخصية، النقد الثقافي.
مقدمة
شهدت الرواية السورية، ولاسيما منذ تسعينيات القرن العشرين، تحوّلًا ملحوظًا في انشغالها بأسئلة السلطة والحرية والإنسان، متجاوزةً السرد التوثيقي المباشر إلى بناء رمزي كثيف يشتغل على تفكيك البُنى العميقة للمجتمع. وفي هذا السياق، تأتي رواية "حبانجي" لنصّار الحسن بوصفها نصًّا ينهض على مساءلة علاقة الفرد بالسلطة، ليس من خلال خطاب أيديولوجي مباشر، بل عبر تمثيل سردي لحياة شخصية تبدو عادية، لكنها مشبعة بتناقضات الواقعين السياسي والاجتماعي.
تطرح الرواية سؤالًا مركزيًّا: كيف يُعاد تشكيل الإنسان داخل منظومة قهر شاملة، بحيث يغدو الخضوع نمطَ حياة، لا موقفًا طارئًا؟ ومن هذا السؤال تنطلق هذه الدراسة لتقديم قراءة نقدية موسَّعة تتناول مستويات النص المختلفة.
أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية
يُعدّ عنوان الرواية "حبانجي" عتبة نصية ملتبسة، إذ لا يحيل إلى معنى لغوي متداول أو مرجعية واضحة، ما يمنحه طابعًا رمزيًّا مفتوحًا. ويمكن قراءة العنوان بوصفه:
- اسم حالة لا اسم شخص: فـ"حبانجي" ليس فردًا محددًا بقدر ما هو نموذج إنساني أنتجته منظومة اجتماعية–سياسية بعينها.
- دالًّا على التشييء: إذ يتحول الاسم إلى علامة على ذوبان الذات داخل الجماعة والسلطة.
- آلية إخفاء: فغموض العنوان يوازي غموض الهوية داخل النظام القمعي، حيث تُطمس الأسماء والفرادات.
ثانيًا: البنية السردية وتقنيات الحكي
تعتمد الرواية بنية سردية غير خطيّة نسبيًّا، تتداخل فيها الأزمنة والاسترجاعات، بما يعكس اضطراب الوعي لدى الشخصية المحورية. ويمكن رصد أبرز التقنيات السردية الآتية:
1. الراوي ووجهة النظر
يميل السرد إلى منظور قريب من وعي الشخصية الرئيسية، دون أن يكون سيرة ذاتية خالصة، ما يخلق مسافة نقدية تسمح بتعرية الداخل النفسي للشخصية، وفي الوقت نفسه مراقبة سلوكها من الخارج.
2. تيار الوعي
يأتي توظيف تيار الوعي لا بوصفه تقنية تجريبية فحسب، بل كضرورة فنية لتمثيل التمزّق الداخلي الناتج عن العيش في فضاء قمعي، حيث تتصارع الرغبات مع الخوف، والذاكرة مع الحاضر.
ثالثًا: بناء الشخصية وتحولاتها
1. شخصية "حبانجي"
تُبنى شخصية حبانجي بوصفها شخصية قلقة مأزومة، تتحرك ضمن هامش ضيق من الحرية. وهو ليس شريرًا ولا بطلًا، بل كائن هشّ يختار التكيّف بدل المواجهة. وتكمن أهمية الشخصية في كونها:
تمثّل الإنسان المُعاد إنتاجه سلطويًّا.
تكشف آليات القهر الناعم: الخوف، والمصلحة، والاعتياد.
تفضح هشاشة القيم حين تتحول إلى شعارات فارغة.
2 الشخصيات المقابلة
تظهر شخصيات أخرى (مثل صفاء درويش) بوصفها ضميرًا نقديًّا، لكنها لا تنتصر انتصارًا نهائيًّا، ما يعكس تشاؤمًا معرفيًّا واعيًا بطبيعة البُنى المهيمنة.
رابعًا: المجتمع والسلطة – مقاربة سوسيولوجية
تُقدِّم الرواية المجتمع بوصفه شريكًا في إنتاج القهر، لا مجرد ضحية له. فالسلطة لا تعمل من الأعلى فقط، بل تتغلغل في:
- البنية العشائرية.
- الخطاب الديني المؤدلج.
- الثقافة اليومية القائمة على الخوف والتواطؤ.
وهنا تقترب الرواية من مفاهيم ميشيل فوكو حول السلطة بوصفها شبكة علاقات، لا مركزًا واحدًا.
خامسًا: اللغة والأسلوب
تتسم لغة الرواية بالاقتصاد والتكثيف، وتبتعد عن الزخرفة البلاغية، بما ينسجم مع طبيعة الموضوع. كما تُوظَّف اللغة اليومية أحيانًا لكشف هشاشة الواقع، مقابل لغة داخلية تأملية تكشف عمق الأزمة النفسية.
رواية 'حبانجي' تمثّل إضافة نوعية إلى الرواية السورية المعاصرة، لما تنطوي عليه من وعي فني ونقدي عميق بطبيعة العلاقة بين الفرد والسلطة
سادسًا: البعد الرمزي والدلالي
تحفل الرواية برموز تتصل بـ:
- الجسد بوصفه مجالًا للضبط.
- المكان بوصفه فضاءً مغلقًا.
- الصمت بوصفه خطابًا موازيًا للكلام.
وتعمل هذه الرموز على تعميق البعد التأويلي للنص، وتحريره من المباشرة السياسية.
سابعًا: مناقشة فصل جريمة العبدة (1988) — من الواقعة إلى الإدانة البنيوية
1. تموضع الفصل داخل البنية السردية
يُشكّل فصل جريمة قتل العبدة أحد أكثر الفصول كثافة وإشكالية في رواية "حبانجي"، إذ يأتي بوصفه لحظة كشف حاسمة تنتقل فيها الرواية من توصيف الخضوع اليومي إلى فضح العنف البنيوي الكامن في المجتمع. لا يعمل هذا الفصل بوصفه ذروة حدثية فقط، بل بوصفه بؤرة دلالية تختبر القيم، وتُعرّي الصمت الجمعي، وتضع الشخصيات أمام امتحان أخلاقي لا مفرّ منه.
2. الواقعة التاريخية والذاكرة الجمعية
تستند الرواية، بشكل غير مباشر، إلى واقعة حقيقية حدثت عام 1988 تمثّلت في مقتل امرأة مستعبَدة ضمن سياق قبلي، وهي واقعة ظلّت حاضرة في الذاكرة الشفوية للمنطقة، رغم غيابها عن التوثيق الرسمي.
غير أن السرد لا يعيد إنتاج الحدث بوصفه تسجيلًا تاريخيًا، بل يعمد إلى تفكيكه وتحويله إلى نموذج رمزي قابل للتكرار، بما يجعل الجريمة بنية اجتماعية لا حادثة معزولة.
3. العبدة بوصفها جسدًا بلا صوت
تظهر العبدة في هذا الفصل بوصفها كائنًا منزوع الصوت والاسم، وهو تغييب دلالي مقصود، يعبّر عن منطق العبودية ذاته، حيث لا يُنظر إلى الضحية بوصفها فردًا، بل وظيفة اجتماعية قابلة للإلغاء. إن غياب المنظور الداخلي للعبدة لا يقلّل من حضورها، بل يحوّلها إلى مركز أخلاقي صامت يدين المجتمع بأسره.
4. المجتمع شريكًا في الجريمة
لا تتوقف الرواية عند فعل القتل، بل تركّز على ما يحيط به من صمت وتبرير وتواطؤ. فالمجتمع، في هذا الفصل، لا يظهر بوصفه ضحية للسلطة فقط، بل بوصفه شريكًا في إعادة إنتاج العنف عبر الأعراف القبلية، والخوف، والمصلحة، والتطبيع مع القسوة. وهنا تتقاطع السلطة العشائرية مع السلطة السياسية في إنتاج فضاء من الإفلات الأخلاقي.
5. اختبار شخصية حبانجي
يضع هذا الفصل شخصية حبانجي في قلب المأزق الأخلاقي: فهو لا يقتل، لكنه لا يعترض؛ لا يبرّر صراحة، لكنه ينسحب. هذا الموقف الرمادي يؤكّد أن حبانجي ليس شريرًا فرديًا، بل نتاج منظومة تُكافئ الصمت وتعاقب الرفض، مما يجعل الخضوع خيار بقاء لا قناعة.
6. العبودية بوصفها بنية مستمرة
تعالج الرواية العبودية بوصفها إرثًا اجتماعيًا ما زالت آثاره قائمة في بعض البيئات القبلية القريبة من العراق، لا كنظام قانوني معلن، بل كبنية تبعية موروثة تتجلى في حرمان الأفراد من الاختيار، وتوارث المكانة الاجتماعية، وإلغاء الذات القانونية والأخلاقية. بهذا المعنى، يتحول الفصل إلى نقد ثقافي عميق لاستمرارية العنف بعد زوال أطره الرسمية.
7. مقاربة مقارنة
يتقاطع هذا الفصل مع تمثيلات مشابهة في الرواية العربية الحديثة، ولاسيما في أعمال عبدالرحمن منيف التي كشفت العنف البنيوي في المجتمعات التقليدية، وأعمال فواز حداد التي عالجت تواطؤ الفرد مع السلطة، حيث تتشابه الشخصيات الرمادية التي لا ترتكب الجريمة لكنها تتيح وقوعها بالصمت والخضوع.
8. خلاصة الفصل
يمثّل فصل جريمة العبدة قلب الرواية الأخلاقي والفكري، إذ يحوّل الواقعة التاريخية إلى إدانة شاملة لبنية اجتماعية–سلطوية تنتج العنف ثم تُخفيه. وهو فصل يُحرّر الرواية من حدودها المحلية، ويمنحها بعدًا إنسانيًا كونيًا، يجعل من "حبانجي" نصًا مفتوحًا على أسئلة العدالة والحرية والمسؤولية.
خاتمة
تمثّل رواية "حبانجي" إضافة نوعية إلى الرواية السورية المعاصرة، لما تنطوي عليه من وعي فني ونقدي عميق بطبيعة العلاقة بين الفرد والسلطة. فهي لا تكتفي بتشخيص القهر، بل تكشف آليات اشتغاله الخفية داخل النفس والمجتمع، مقدِّمةً نصًّا مفتوحًا على أسئلة الوجود والحرية والمسؤولية.
الحواشي
- تُعالج هذه الدراسة عنوان الرواية «حبانجي» بوصفه عتبة دلالية مفتوحة، لا تحيل إلى مرجعية لغوية مباشرة، بل تعمل كعلامة رمزية على حالة اجتماعية–وجودية، وهو ما ينسجم مع تصورات جيرار جينيت حول العتبات النصية.
- تستند الإشارات المتعلقة بواقعة مقتل امرأة مستعبَدة عام 1988 إلى الذاكرة الشفوية الجمعية المتداولة في المنطقة الشرقية السورية، وتُوظَّف هنا بوصفها خلفية ثقافية–اجتماعية، لا وثيقة تاريخية أو سجلًا قضائيًا، وذلك في إطار تحليل تحوّل الحدث الواقعي إلى رمز سردي.
- يُستخدم مفهوم "العبودية" في هذه الدراسة استخدامًا أنثروبولوجيًّا–ثقافيًّا، لا قانونيًّا، للإشارة إلى بُنى اجتماعية موروثة تقوم على التبعية القسرية وتوارث المكانة الاجتماعية، وهو ما يُعرف في الأدبيات السوسيولوجية بمصطلحات مثل "العبودية المقنّعة" أو "التبعية الوراثية".
- الإشارة إلى استمرار آثار هذه البُنى في بعض البيئات القبلية القريبة من العراق لا تنطوي على تعميم أو اتهام، بل تندرج ضمن مقاربة نقدية ثقافية تفكيكية، تهدف إلى تحليل الأنساق العميقة التي تعيش في الهامش الاجتماعي خارج الخطاب الرسمي.
- تستفيد القراءة من تصورات ميشيل فوكو حول السلطة بوصفها شبكة علاقات منتِجة للخطاب والذات، لا مجرد جهاز قمعي مركزي، إضافة إلى إسهامات النقد الثقافي وما بعد الكولونيالي في تحليل استمرارية أنماط الهيمنة بعد زوال أطرها القانونية.
- تُقارب شخصية "حبانجي" بوصفها نموذجًا للذات الرمادية في الرواية العربية الحديثة، وهي ذات لا تمارس العنف مباشرة، لكنها تتيح حدوثه عبر الصمت والتكيّف، وهو ما يجعلها موضوعًا أخلاقيًا لا شخصية إدانة مباشرة.
المراجع
- نصار الحسن. حبانجي. دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر، 2023.
- جيرار جينيت. العتبات: نصوص موازية. ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال.
- ميشيل فوكو. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة: علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي.
- ميشيل فوكو. إرادة المعرفة (تاريخ الجنسانية 1). ترجمة: جورج أبي صالح. بيروت: دار الطليعة.
- ميخائيل باختين. خطاب الرواية. ترجمة: محمد برادة. الدار البيضاء: دار توبقال.
- إدوارد سعيد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة: كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب.
- أحمد غانم. "المفارقات السياسية والحياتية في رواية حبانجي". مجلة المثقف.
- مروان ياسين الدليمي. "ذوات السرد وتقاطعات الزمن في رواية حبانجي". جريدة الزمان.
- عبدالرحمن منيف. مدن الملح. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
- فواز حداد. السوريون الأعداء. دمشق: دار الأهالي.