دعوات الصدر لمقاطعة الانتخابات تعيد خلط أوراق التيار الشيعي

الصدر خرج من القبة التشريعية لكنه لم يخرج من التأثير الحكومي خاصة في ظل غياب مرجعية سياسية موحدة تجمع القوى الشيعية تحت رؤية مشتركة.

بغداد – يسود المشهد السياسي في العراق حالة من الارتباك والتشتت لاسيما داخل التيار الشيعي مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، وذلك على خلفية إصرار التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر على مقاطعة الانتخابات.

ومنذ إعلان الصدر انسحاب تياره من الانتخابات والبرلمان، سعى إلى تصوير الخطوة كـ"تطهير" للمشهد السياسي من الفساد والمحاصصة، مؤكداً أنه لن يكون جزءاً من منظومة فاسدة. غير أن غياب الصدريين، الذين يشكلون قاعدة شعبية واسعة في وسط وجنوب العراق، أضعف وحدة التيار الشيعي وأفقده أحد أبرز مكوناته الجماهيرية والتنظيمية.

والارتباك الذي يعيشه التيار الشيعي لا يقتصر على الجانب الانتخابي فقط، بل يمتد إلى البنية الفكرية والتنظيمية. فانسحاب الصدر أظهر عمق الانقسام داخل البيت الشيعي بين من يرى في العملية الانتخابية وسيلة للإصلاح التدريجي، ومن يعتقد أن النظام السياسي بات غير قابل للإصلاح من الداخل. كما ساهمت التجاذبات بين المرجعيات الدينية والسياسية في تعميق هذا الانقسام، خاصة في ظل غياب مرجعية سياسية موحدة تجمع القوى الشيعية تحت رؤية مشتركة.

وينظر إلى المقاطعة الصدرية التي تستند إلى قاعدة جماهيرية منضبطة ومنظمة، أنها قد تُضعف الزخم الشعبي للانتخابات وتُحدث خللاً في التوازن السياسي داخل المكون الشيعي، خصوصاً في المحافظات التي شكل فيها التيار الصدري قوة انتخابية حاسمة خلال الدورات السابقة.

وقال القيادي في الإطار التنسيقي رحمن الجزائري إن "مقاطعة مقتدى الصدر سيكون لها تأثير واضح في المشاركة الانتخابية، خاصة في المحافظات الجنوبية، حيث تشير المؤشرات الميدانية لحملات التعبئة إلى أن نسبة الإقبال ستكون ضعيفة جداً".

وأضاف الجزائري في تصريح لوكالة شفق نيوز المحلية أن "المكون الشيعي يواجه مأزقاً حقيقياً في مسألة المشاركة، خصوصاً أن مدينة الصدر – التي تعد أحد أكبر معاقل التيار – أعلنت مقاطعتها الكاملة للانتخابات".

وأكد أن "المقاطعة ستؤثر على العملية السياسية في قرار حاكمية الشيعة، وتخلق خللاً في التوازن السياسي، فالصدر خرج من القبة التشريعية لكنه لم يخرج من التأثير الحكومي".

من جهته، اعتبر النائب عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني مثنى امين الثلاثاء، أن تلويح رئيس التيار الصدري مقتدى الصدرب الذهاب الى المعارضة اعتراف ضمني بعدم قدرة التحالف تحقيق الأغلبية الوطنية, متوقعا تغيير موقف شركاء التيار بالتنازل عن مشروع الأغلبية لأجل تجاوز حالة الانساد السياسي .

وأضاف أن "الإعلان عن الذهاب الصدريين للمعارضة وفسح المجال أمام شركائه الديمقراطي والسيادة لتأسيس شراكات مع قوى سياسية لتشكيل الحكومة امر إيجابي ربما سيمهد لحليفي الصدر الديمقراطي والسيادة من إعادة حساباتهم من جديد واجراء حوارات جديدة مع قوى سياسية أخرى للوصول الى الكتلة الأكبر التي ستشكل الحكومة المقبلة " .

وحذر أمين من أن "عدم تشكيل كتلة سياسية كبيرة واجراء تغيير بموقف الديمقراطي والسيادة أمام مشروع الأغلبية الوطنية خلال الأيام المقبلة فان حالة الانساد السياسي ستمر بأخطر مراحلها".

وكان الصدر، قد أعلن في مارس/ آذارالماضي، عن عدم مشاركته في الانتخابات المقبلة، معللا ذلك بوجود "الفساد والفاسدين"، فيما بين أن العراق "يعيش أنفاسه الأخيرة".

وقرر الصدر، في يونيو/حزيران2022 الانسحاب من العملية السياسية في العراق، وعدم المشاركة في أي انتخابات مقبلة حتى لا يشترك مع الساسة "الفاسدين"، بعد دعوته لاستقالة جميع نوابه في البرلمان والبالغ عددهم 73 نائباً.

ورغم أن الصدر أعلن مقاطعة الانتخابات إلا أنه يرفض تعطيلها، حيث وجه الخميس، أنصاره والمتضامنين معهم بإيقاف الاحتجاجات المناهضة للانتخابات التشريعية المقرر اجراؤها في يوم 11 من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

جاء ذلك في تعليقه حول وقفات احتجاجية تضامنية مع "مشروع الإصلاح" من قبل شباب من غير المنتمين إلى التيار، حيث وجّه بإيقاف تلك الوقفات، وحتى يوم الانتخابات.

وقال الصدر في تعليق نشره مكتب الاعلامي الخاص على مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إنه "من الآن فصاعداً - أعني حتى يوم الانتخابات - لا داعي لأي وقفات رجاءً".

وكانت الكتلة الصدرية قد تحصلت على أعلى الأصوات في الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2021 إلا أن مساعي زعيم التيار أخفقت في تشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة جراء وقوف الإطار التنسيقي الشيعي بوجهها من خلال استحصال فتوى من المحكمة الاتحادية بما يسمى الثلث المعطل في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الممهدة لتسمية رئيس مجلس الوزراء.

وانفرطت عُرى عقد التحالف الثلاثي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وتحالف السيادة برئاسة خميس الخنجر، والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر عقب استقالة نواب الكتلة الصدرية، وانسحاب التيار من العملية السياسية بأمر من الصدر.

ومر المشهد السياسي بوضع متأزم وبطريق مسدود في حينها لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق حيث تشكلت الحكومة عقب عام كامل على الانتخابات المبكرة في البلاد.