دمشق وحماس تطويان صفحة عقد من القطيعة

الرئيس السوري يستقبل وفدا مصغرا من حماس في أول لقاء بعد نحو عقد من القطيعة، في خطوة تمهد لطي صفحة الماضي وتأتي مدفوعة بتغيرات جيوسياسية في المنطقة منها التقارب التركي الإسرائيلي.

دمشق - دشنت حركة المقاومة الفلسطينية الإسلامية حماس اليوم الأربعاء ودمشق صفحة جديدة في العلاقات بعد أكثر من عقد من القطيعة، بما يمهد لطي صفحة الخلاف الذي نشأ على خلفية دعم الحركة في 2011 للاحتجاجات المناهضة للرئيس السوري بشار الأسد في تناغم حينها مع موقف تركيا الداعمة للمعارضة السورية.

وتأتي هذه التطورات نتيجة للتطورات الجيوسياسية الناشئة في المنطقة على إثر التقارب التركي الإسرائيلي واتفاقيات تطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية وعلى ضوء بحث حركة حماس عن إعادة تموقع في ما يعرف بـ"محور المقاومة" بقيادة إيران، لكسر عزلتها في محيطها الإقليمي.

وأعلنت حماس من دمشق الأربعاء استئناف علاقتها مع السلطات السورية، وفق ما أكّد أحد مسؤوليها بعد أن استقبل الرئيس بشار الأسد وفدا مصغرا من الحركة بقيادة رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية في الحركة خليل الحية.

وقال الحية عقب لقائه بالأسد في عداد وفد ضمّ عددا من مسؤولي الفصائل الفلسطينية "نعتقد أنه يوم مجيد ويوم مهم، نستأنف فيه حضورنا إلى سوريا العزيزة ونستأنف فيه العمل المشترك مع سوريا"، مضيفا خلال مؤتمر صحافي "نعتبره لقاء تاريخيا وانطلاقة جديدة متجددة للعمل الفلسطيني السوري المشترك".

وكانت حماس تُعد من أوثق الحلفاء الفلسطينيين للأسد. وجعلت من دمشق مقرا لها في الخارج طيلة سنوات، قبل أن تنتقد قمع السلطات للاحتجاجات التي عمّت البلاد بدءا من منتصف مارس/اذار 2011.

وتوترت العلاقات تدريجيا بين الطرفين إلى أن غادر قياديو الحركة وعلى رأسهم رئيس مكتبها السياسي السابق في الخارج خالد مشعل دمشق في فبراير/شباط 2012. وأغلقت الحركة كافة مكاتبها وأوقفت أنشطتها فيها.

وقال الحية من دمشق التي وصلها الأربعاء "أي فعل فردي هنا أو هناك هو فعل خاطئ لا تقره قيادة الحركة ولم تقره" مؤكدا "إننا متفقون مع سيادة الرئيس على أن نتجاوز الماضي ونذهب إلى المستقبل".

وأضاف "نستعيد علاقتنا مع سوريا العزيزة بقناعة وبإجماع قيادي وبتفهّم من محبي حركة حماس"، مؤكدا ردا على سؤال صحافي، عدم تحفظ أي من حلفائهم أو داعميهم الإقليميين، خصوصا تركيا وقطر، على هذه الخطوة.

وأشار إلى وجود عدة عوامل هي التي شجعت على التقارب الآن، من بينها تطوير إسرائيل لعلاقات مع دول عربية، مضيفا أن القضية الفلسطينية تحتاج لمن يدعمها.

وجاءت زيارة حماس إلى دمشق بعد توقيع الفصائل الفلسطينية الخميس اتفاق مصالحة في الجزائر تلتزم بموجبه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في غضون عام. كما أتت بعد إعلان قيادتها الشهر الماضي رغبتها باستئناف العلاقات مع دمشق، على ضوء "التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تحيط بقضيتنا وأمتنا"، ما اعتبره محللون إشارة إلى تطبيع عدد من الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل.

وعلى مدى سنوات، اعتبر مسؤولون سوريون في تصريحاتهم مغادرة حماس "ضربة قاصمة" للعلاقة مع سوريا، وبعضهم وصفها بـ"الخيانة".

وسبق زيارة دمشق، وفق ما قال مسؤول في الحركة في وقت سابق، لقاءات مع مسؤولين سوريين، بوساطة من حزب الله اللبناني وداعمته إيران.

وحافظت الحركة على علاقة جيدة مع حزب الله. ورغم خلافه معها حول موقفها من دمشق، لطالما اعتبرها جزءا من "محور المقاومة" الذي يضم أيضا دمشق وطهران وفصائل عراقية.

وأعلنت حركة حماس في العام 2017 فكّ ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين، المحظورة في سوريا منذ ثمانينات القرن الماضي والتي تعد من أبرز مكونات المعارضة السورية إثر اندلاع النزاع.

ومن شأن تطبيع العلاقات مع الأسد أن يعيد حماس لما يطلق عليه "محور المقاومة" ضد إسرائيل والذي يضم إيران وحزب الله اللبناني الحليفين للأسد المنتمي للطائفة العلوية الشيعية.

وقد استعادت حماس بالفعل علاقاتها مع إيران، حيث أشادت قيادات في الحركة بالجمهورية الإسلامية لمساهماتها في إمداد غزة بالصواريخ ذات المدى الأبعد، التي استخدمت في قتال إسرائيل.

إلا أنها تمهلت في المصالحة مع سوريا خشية مواجهة رد فعل عنيف من مموليها، وغالبيتهم من السنّة، وداعمين آخرين، بالنظر إلى أن معظم ضحايا عنف النظام في سوريا كانوا من السنّة.

وقال المحلل السياسي الفلسطيني مصطفى الصواف إن خطوة حماس التصالحية تجاه سوريا تهدف إلى خلق أرضية جديدة للحركة، مضيفا "أعتقد أن معظم المناطق التي تتواجد فيها الحركة، بما في ذلك تركيا، بدأت تضيق عليها وبالتالي فإنها تسعى لإيجاد أرضية أخرى يمكنها مواصلة العمل منها".