دودة الشجرة والافواج الخفيفة!

اختفت الافواج الخفيفة في كردستان وعادت كأحزاب خفيفة.


قوى سياسية كثّفت جهودها بشتى الوسائل لشراء ذمم أو استخدام واستمالة مجاميع شعبية


آمر الفوج كان يستحوذ على رواتب عناصره مقابل عدم التزامهم بالدوام إلا في واجبات محددة


الانظمة الشمولية اعتادت تجميل نفسها بصناعة اكسسوارات سياسية على شاكلة احزاب للزينة

شكلّت الأنظمة العراقيّة المتعاقبة ومنذ ستينيات القرن الماضي، مجاميع من الموالين لها في كردستان على شكل أفواج شبه عسكرية من بعض شيوخ العشائر وأغواتها المرتبطين بتلك الأنظمة، لقاء أموالٍ طائلة كانت تُدفع لهم كرواتب لأبناء عشيرتهم مقابل اعفائهم من الخدمة الإلزامية العسكرية والعمل تحت أوامر وتوجيهات دائرة الاستخبارات العسكرية او الامن المحلي، لمعاداة ابناء جلدتهم واستخدامهم في الحملات العسكرية للجيش ضد الثورة الكردية وأثناء الهجوم على القرى والبلدات. ولم تكن واجبات هذه الأفواج تتعدى البحث عن الثوار او المعارضة وتفتيش القرى والبلدات وما يرافقها من عمليات سّلب ونّهب، أو أحيان أخرى أمام القطعات العسكرية لتفجير حقول الألغام، وفي العادة كان الأغا أو الشيخ أو آمر الجحفل او الفوج أو السريّة، يستحوذ على رواتب عناصره مقابل عدم التزامها بالدوام إلا في واجبات محددة ومحصورة جداً كما ذكرنا، وهذه التشكيلات التي يطلق عليها رسمياً اسماء "الأفواج الخفيفة" أو "فرسان صلاح الدين" أو "سرايا أبو فراس الحمداني"، كانت تُعرف لدى أهالي كردستان بأسماء اخرى يعبرون فيها عن سخريتهم وازدرائهم منهم.

أما في الحقل السياسي فقد اعتادت معظم الانظمة الشمولية تجميل شكلها السياسي بصناعة اكسسوارات سياسية على شاكلة احزاب للزينة من الموالين لها، باستخدام بعض الشخصيات التي تمّ اغراؤها بالمال أو المناصب، لتجميل ما كانت تدعيه بالتعددية، فقد استنسخت شموليات الشرق الاوسط خاصة في العراق وسوريا هذا النمط من صناعة احزاب رديفة للاحزاب المعارضة الحقيقة على شاكلة احزاب التجميل في بعض دول اوروبا الشرقية في حينها، حيث استنسخوا نماذج من شخصيات مفصولة او مطرودة من الاحزاب الحقيقية لتصنيع احزاب يسارية او قومية او كردية، وتقديمها على أنها ممثلة للشعب العراقي والكردستاني، ونتذكر جميعاً تلك الأحزاب الكارتونية وخاصة في كردستان والتي كانت سرعان ما تتبخر بعد ساعات من أي اتفاق بين قيادة الحركة الكردية وبين الحكومة العراقية في حينها.

وللأسف استمرت تلك الثقافة سائدة في معظم من تولى الانظمة الجديدة التي اعقبت عملية ازالة سابقاتها الشمولية، خاصة هنا في العراق ولدى بعض مفاصل النظام السياسي الجديد بعد 2003، حيث دأبت ومنذ السنوات الأولى للحكم على إحياء تلك الكّيانات، خاصة مع اقليم كردستان ومن وراء السلطات الدستورية في الاقليم، حينما اقترحت مكافأة تلك الكيانات التي خدمت الانظمة الدكتاتورية السابقة برواتب تقاعدية، وقد أفشلت سلطات الإقليم تلك المحاولات البائسة في بثِّ الرّوح لكيانات ميتة، مما دفعها هي وغيرها ممن أدمنوا عدم قبول الآخر الى خيارات بديلة في السنوات الأخيرة حيث كثّفت جهودها بشتى الوسائل لشراء ذمم أو استخدام واستمالة مجاميع وبذات الثقافة الشمولية سيئة الصيت لتكوين كيانات او مجموعات تعمل لصالحها وخاصةً في البرلمانين الاتحادي والإقليمي، لتنفيذ أجندة تلك الأحزاب المهيمنة، وشق الصف الكردستاني وتشتيته.

ويقينا أنها حققت بعض التقدم في هذا الاتجاه، وفتحت جيوب هنا وهناك، واستطاعت تشجيع بعض المستائين او المنشقين من الأحزاب الرئيسية في كردستان واستمالتهم، وذلك باستغلال الخلافات السياسيّة الداخليّة لصناعة أحزاب كارتونية أخرى، لاستثمارها واستخدامها حين الطلب على شاكلة الأفواج الخفيفة ولكن بتطوير جديد وموديلات أحدث، ولقد أكّدت الأحداث قبل وبعد الاستفتاء وحتى يومنا هذا استمرار هذا النهج المعادي للإقليم وشعبه وطموحاته، خاصةً وأنهم جربوا القوّة العسكرية بعد 16 أكتوبر في محاولة اجتياح الاقليم، إلا أن فشلهم جعلهم يعيدون النظر بالاتجاه الآخر، وذلك بفتح جيوب على طريقة نظام البعث الّذي كان يستخدمه في تلك الكيانات ولكن هذه المرّة بدون اسم وزي عسكري، بل من خلال مجموعات برلمانية واعلامية وصحفية تقوم بالواجب لتنفيذ مآربهم بشكل غير مباشر.

إنها "دودة الشجرة" كما يصفها شعب كردستان.