دونالد مالكولم ريد مستمرا: من يملك الحق في التراث المصري؟

عالم الآثار الأميركي يرى أن استعادة المصريين لسيادتهم على تراثهم تتطلب شجاعة سياسية وفكرية.

منذ مطلع القرن التاسع عشر، ترسخت في الوعي الغربي سردية مُحكمة تُقدَّم فيها الآثار المصرية باعتبارها "تراثًا إنسانيًا مشتركًا" يتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة الوطنية، وهي سردية منحت القوى الاستعمارية، بوعي أو بتواطؤ مؤسساتها الأكاديمية والمتاحف الكبرى، ذريعة أخلاقية مزعومة للهيمنة على الإرث المادي لوادي النيل، فبدعوى حماية هذا التراث من الإهمال أو السرقة المحلية، جرى اقتلاع مئات القطع النادرة من بيئتها التاريخية ونقلها إلى باريس ولندن وبرلين، حيث أعيد تأويلها داخل خطاب غربي يربط "الحضارة" بمركزية أوروبا.

وهكذا، لم يكن الأمر مجرد جمع تحف للعرض، بل كان إعادة صياغة لذاكرة المصريين نفسها، ونقل رموزهم المؤسسة إلى فضاء ثقافي أجنبي، بما يجعل الغرب هو الراوي الرئيسي لقصة الحضارة المصرية، ويجعل المصريين مستمعين لا صانعين لخطابهم التاريخي. ولا يزال هذا المنطق ساريًا حتى اليوم، حيث تُبرَّر سيطرة المتاحف الغربية على أبرز كنوز الفراعنة بالحجة ذاتها، بينما تتعالى الأصوات المصرية والعالمية المطالِبة بإعادة هذه القطع إلى موطنها الأصلي، لتستعيد مصر حقها في رواية تاريخها بأدواتها ولغتها ورؤيتها الخاصة.

بعد أكثر من عقدين على صدور كتاب "فراعنة من؟: علم الآثار والمتاحف والهوية القومية المصرية من حملة نابليون حتى الحرب العالمية الأولى" بالإنكليزية للمؤرخ وعالم الآثار الأميركي دونالد مالكولم ريد، لا يزال يعد عملاً تحليلًا نقديًا عميقًا وكاشفا للعلاقة المعقدة بين الآثار، الهوية الوطنية، والسياسات الإمبريالية، وذلك انطلاقا من غزو نابليون لمصر عام 1798 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وهي حقبة شهدت صراعًا ثلاثي الأبعاد بين القوى الاستعمارية الأوروبية (الفرنسيين والبريطانيين بشكل رئيسي)، والمصريين الذين بدأوا يدركون أهمية تراثهم كجزء من هويتهم الوطنية، وبين مفهومي "العالمية" و"الوطنية" في التعامل مع الآثار.

الكتاب الذي ترجمه العالم والمؤرخ رؤوف عباس وصدر عن مؤسسة هنداوي حظي بتقدير واسع في الأوساط الأكاديمية الغربية خاصة لتحليله النقدي لتاريخ علم الآثار في مصر، وصفته مجلة الشؤون الخارجية بأنه "قراءة ممتعة وموثقة بدقة" تبرز دور المصريين كفاعلين في استعادة تراثهم. واعتبره مشروع ميوز "مساهمة تأسيسية" في دراسات المتاحف والهوية بالشرق الأوسط. كما أشادت المراجعة التاريخية الأميركية بمنهج ريد متعدد الطبقات، مؤكدة إعادته للمصريين إلى مركز السرد التاريخي. وفي مجلة دراسات الشرق الأدنى، وُصف الكتاب كإسهام كبير يحلل العلاقة بين العلم والهوية في سياق الإمبريالية. ورأت أنه كان يمكن أن يستفيد أكثر من نظريات ما بعد الاستعمار.

منذ اللحظة الأولى التي أمسكتُ فيها القلم لأكتب عن تاريخ علم الآثار في مصر، كنت أعلم ـ هكذا يبدأ دونالد مالكولم ريد ـ أنني لن أروي حكاية حفريات ومقابر وتماثيل فقط، بل سأروي حكاية هوية. فالآثار، في سياق مصر، لم تكن يومًا مجرد حجارة صامتة، بل كانت ـ وما زالت ـ مفاتيح لصراع طويل على المعنى والانتماء والسيادة. ولهذا جاء كتابي محاولة لإعادة رسم المشهد، منذ أن وطأت أقدام الفرنسيين أرض مصر أواخر القرن الثامن عشر، وحتى السنوات العاصفة التي سبقت الحرب الكبرى.

ويؤكد أن اختياره لبداية الحكاية من حملة نابليون لم يكن اعتباطيًا، فالحملة التي يراها البعض مجرد مغامرة عسكرية، كانت في جوهرها مشروعًا معرفيًا واستعماريًا متكاملاً. فقد اصطحب نابليون معه عشرات العلماء والمهندسين والرسامين، وجاءوا بأسلوب جديد في النظر إلى مصر: أسلوب يتجاوز الاستعمار السياسي ليشمل استعمار المعرفة. ومن خلال "وصف مصر"، بدأ العالم الأوروبي يتعامل مع الآثار المصرية بوصفها إرثًا إنسانيًا مفتوحًا أمام الدراسة، لكنه ـ في الوقت نفسه ـ إرث يمكن امتلاكه ونقله خارج موطنه.

يقول ريد "حينما أنظر إلى مطلع القرن التاسع عشر، أرى أن علم المصريات لم يكن علمًا بريئًا. كان جزءًا من منظومة الهيمنة الأوروبية، ومصر لم تكن لاعبًا مستقلًا فيه. لقد بدأ الأوروبيون يضعون أيديهم على ماضي مصر ليعيدوا تعريفه، ومن ثم توظيفه لخدمة سردياتهم الثقافية والسياسية". ومن هنا، نشأت منذ البداية إشكالية "فراعنة من؟"، أي: من يملك الحق في الماضي المصري؟

اكتشاف حجر رشيد عام 1799، وفك رموزه على يد جان-فرانسوا شامبليون عام 1822، فتح الباب أمام علم المصريات الحديث. لكن ريد يؤكد أن هذا العلم لم يكن بريئًا، بل كان جزءًا من منظومة الهيمنة الإمبريالية. يقول "علم الآثار لم يكن نشاطًا محايدًا. كان أداة للقوة والسيطرة، حيث أُعيد تشكيل الماضي المصري ليخدم السرديات الغربية". في هذا السياق، برز سؤال "فراعنة من؟"، الذي يعكس الصراع على ملكية التراث المصري: هل هو إرث عالمي، كما زعمت القوى الاستعمارية، أم جزء لا يتجزأ من الهوية المصرية؟

كتاب 'فراعنة من؟: علم الآثار والمتاحف والهوية القومية المصرية من حملة نابليون حتى الحرب العالمية الأولى'
لا بد من خطوة حاسمة نحو تحقيق السيادة الثقافية

في منتصف القرن التاسع عشر، برز الفرنسي أوغست مارييت كشخصية محورية في تاريخ علم الآثار المصري. أسس مصلحة الآثار عام 1858، وسعى إلى تنظيم التنقيب وحماية الآثار من النهب العشوائي. لكنه، كما يلاحظ ريد، كان يعمل ضمن منطق استعماري يرى الأوروبيين كأوصياء طبيعيين على التراث المصري. يقول "كان مارييت مفتونًا بالحضارة الفرعونية، لكنه لم يرَ المصريين المعاصرين كورثة شرعيين لها". هذا المنظور رسّخ فكرة أن الآثار ملك للإنسانية (أي الغرب عمليًا)، مما أثار تساؤلات حول السيادة الثقافية.

ويرى أنه على الرغم من إسهامات مارييت في الحد من النهب، إلا أن إدارته للآثار أبقت القرار النهائي بيد الأوروبيين. كانت القاهرة مركزًا للتنافس الدولي على التنقيب، حيث سعت فرنسا وبريطانيا إلى تعزيز نفوذهما من خلال السيطرة على الاكتشافات الأثرية. ويشير إلى أن هذا التنافس لم يكن مجرد مسألة علمية، بل كان مرتبطًا بالاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية، مثل الحاجة إلى المواد الخام وفتح أسواق جديدة في ظل الثورة الصناعية.

يخصص ريد مساحة كبيرة لتحليل دور المتاحف كأدوات سياسية وثقافية، حيث يرى أن المتاحف في القرن التاسع عشر لم تكن مجرد قاعات عرض، بل كانت "معابد قومية للمعرفة" تعكس منطق الهيمنة الإمبريالية. المتحف المصري، الذي افتُتح في القاهرة عام 1902، يُعد مثالًا واضحًا لهذا التناقض. من جهة، كان إنجازًا يعكس روعة الحضارة المصرية، ومن جهة أخرى، كان يُدار وفق رؤية أوروبية تخدم الزوار الأجانب والمجتمع العلمي الغربي. لغة الشرح في المتحف كانت بالفرنسية والإنكليزية، بينما ظلت العربية هامشية، مما عزز شعور المصريين بالاغتراب عن تراثهم.

واجهة المتحف المصري، كما يصفها ريد، كانت رمزًا لهذه الهيمنة. تضمنت تماثيل جدارية لإلهتي الوجه القبلي والبحري بأسلوب إغريقي يكشف تفاصيل الجسد، في تناقض صارخ مع تقاليد الطبقة العليا المصرية في عصر الحريم. كما كُتب اسم الخديو عباس حلمي الثاني باللاتينية، وهو ما اعتبره ريد ترضية غير كافية للمشاعر الوطنية. يقول ريد "كانت واجهة المتحف تعلن أن علم المصريات أوروبي خالص، وأن المصريين المعاصرين لا يستحقون أن يكونوا ورثة قدماء المصريين".

بالإضافة إلى المتحف المصري، يتناول ريد تأسيس ثلاثة متاحف أخرى تعكس أولويات الاهتمام الأوروبي: المتحف اليوناني-الروماني في الإسكندرية (1892)، متحف الفن العربي (1884، يُعرف الآن بمتحف الفن الإسلامي)، والمتحف القبطي (1908). يشير ريد إلى أن تتابع تأسيس هذه المتاحف عكس اهتمامات الأوروبيين أكثر من الأولويات المصرية، فالمتحف المصري ركز على العصر الفرعوني كمنبع للحضارة الغربية، بينما جاء المتحف اليوناني-الروماني لتأكيد أهمية الإغريق كأصل للحضارة الأوروبية. أما متحف الفن العربي، فكان تعبيرًا عن افتتان الغرب بالآخر "الشرقي"، بينما تأخر تأسيس المتحف القبطي بسبب النظرة الغربية للكنيسة القبطية كـ"هرطقة شرقية".

مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأ المصريون يدركون إمكانية استخدام علم الآثار لخدمة أهدافهم الوطنية. يسلط ريد الضوء على شخصيات مثل رفاعة الطهطاوي الذي كتب أول كتاب بالعربية عن تاريخ مصر القديم، وعلي مبارك الذي دعم تأسيس مؤسسات تعليمية مثل مدرسة اللسان المصري القديم. لكن الشخصية الأبرز كانت أحمد كمال، أول عالم آثار مصري، الذي تحدى الهيمنة الأوروبية من خلال عمله العلمي الدقيق ونشره للوعي بتاريخ مصر القديم بين مواطنيه. يقول "كان أحمد كمال تجسيدًا للحظة تحول، حيث بدأ المصريون يأخذون مكانهم كفاعلين في إدارة تراثهم".

كما يبرز ريد دور مرقص سميكة، مؤسس المتحف القبطي، الذي كان فريدًا بإدارته المصرية المستقلة عن الدولة. استلهم سميكة فكرة المتحف من اهتمام الأوروبيين بالفن القبطي، لكنه أعاد إدراج التراث القبطي في سياق الهوية الوطنية، مؤكدًا على ارتباط الأقباط بمصر القديمة. وهنا يعتمد ريد على مذكرات سميكة غير المنشورة.

الصحافة المصرية الناشئة، مثل صحيفة السمير الصغير عام 1899، لعبت دورًا حاسمًا في تعزيز الوعي بالتراث الفرعوني. يصف ريد غلاف هذه الصحيفة، الذي صوّر أمًا مصرية توجه أنظار أطفالها نحو الأهرام وأبي الهول، مع وجود عباس حلمي الثاني كرمز للإصلاح الوطني، إلى جانب شخصيات مثل الطهطاوي وعلي مبارك. هذا التصوير يعكس بداية "الولع المصري بالعصر الفرعوني"، الذي أصبح أداة للنهضة الوطنية.

ويطرح ريد جدلية أساسية بين مفهومي "العالمية" و"الوطنية" في التعامل مع الآثار. بينما دافع الأوروبيون عن فكرة أن الآثار ملك للإنسانية، معتبرين أنفسهم الأجدر بحمايتها، رأى المصريون أن هذه الفكرة تخفي طابعًا استعماريًا يهدف إلى حرمانهم من تراثهم. ويؤكد أن "الخطاب الاستعماري كان يتحدث عن مصلحة العلم العالمي، لكنه في الواقع كان يعني أن الآثار ملك للدول القادرة على أخذها". هذه الجدلية وصلت ذروتها مع الاحتلال البريطاني (1882-1914)، حيث حاولت السلطات البريطانية تقديم نفسها كحامية للتراث المصري، بينما طالبت الأصوات الوطنية المصرية بسيادة حقيقية على الآثار.

يستشهد ريد بمقال في صحيفة البلاغ القاهرية عام 1930، يعبر عن هذا التوتر "إن العلم لا وطن له... غير أننا لا نملك سوى التعبير عن إعجابنا بالأستاذ سليم حسن لاكتشافاته الأثرية". هذا الاقتباس يعكس محاولة المصريين التوفيق بين المثالية العلمية والفخر الوطني، في مواجهة خطاب استعماري يتهمهم بالتحيز.

ويلفت ريد إلى أهمية إعادة كتابة تاريخ علم الآثار من منظور مصري، بدلاً من الرواية الإمبريالية التي تهمش المصريين. يقارن بين أسماء مثل شامبليون، مارييت، وماسبيرو، الذين يُعتبرون "أبطال" علم المصريات، وبين شخصيات مصرية مثل أحمد كمال، علي بهجت، ومرقص سميكة، الذين غالبًا ما تم تهميشهم. على سبيل المثال، يشير إلى أن موسوعة Who Was Who in Egyptology أغفلت أحمد كمال في طبعتها الأولى عام 1951، ولم تُعطه إلا مساحة محدودة في الطبعات اللاحقة مقارنة بماسبيرو وبتري. هذا الإهمال يعكس محاولة لفصل العلم عن سياقه السياسي والاجتماعي.

ويبرز دور شخصيات مثل الجبرتي، الذي وثّق التحولات الاجتماعية في مصر، وطه حسين، الذي عُين أستاذًا للتاريخ اليوناني-الروماني، مما يعكس اهتمام المصريين المثقفين بتاريخهم المتنوع. ويرى أن هؤلاء لم يكونوا مجرد متفرجين، بل ساهموا في تشكيل هوية وطنية من خلال استيعاب الماضي الفرعوني، القبطي، والإسلامي.

ومن جانب آخر يتناول دور السياحة في تشكيل صورة مصر القديمة. مع ظهور السفن البخارية والسكك الحديدية وكتب الدليل السياحي، مثل تلك التي أصدرتها شركة توماس كوك، أصبحت مصر وجهة سياحية عالمية. لكن هذه السياحة، كما يلاحظ كانت موجهة أساسًا للغربيين، الذين رأوا في مصر مزيجًا من عوالم الفراعنة، التوراة، الإغريق، والقرآن. يستشهد ريد بكلام فلورانس نايتنجيل، التي ربطت بين أوزيريس، إبراهيم، أرسطو، ومحمد، ليعكس هذا الخيال الغربي الرومانسي عن مصر.

على الجانب المصري، بدأ "الولع بالعصر الفرعوني" يظهر في أواخر القرن التاسع عشر، خاصة مع دعاة الاستقلال في العشرينيات. استخدمت رموز فرعونية في الصحافة، الفنون، والمعارض الدولية، مما ساعد في ربط الماضي بالهوية الوطنية. يفضل ريد مصطلح "الحماس الشعبي تجاه مصر القديمة" على "الفرعونية"، لتجنب الدلالات السلبية المرتبطة بالوثنية في السياق الإسلامي.

في سياق معاصر، يظل سؤال "فراعنة من؟" ملحًا في ظل النقاشات حول استرداد الآثار المنهوبة، مثل حجر رشيد وتمثال نفرتيتي. يرى ريد أن السيطرة على السرد التاريخي هي سيطرة على الوعي العام، وأن استعادة المصريين لسيادتهم على تراثهم تتطلب شجاعة سياسية وفكرية. يختم بالتأكيد على أن الماضي ليس مجرد حجارة، بل ساحة صراع على السلطة والمعنى، وأن إعادة كتابة تاريخ مصر القديم من منظور محلي هي خطوة حاسمة نحو تحقيق السيادة الثقافية.