ريشة بين جيلين: تجربتي في الفن التشكيلي

رحلة الفنان العراقي الشاب أكرم محمد السراي انطلقت من شغف والده وتفوقه الأكاديمي ليصل إلى العالمية كفنان معتمد دوليا، متبنيا رؤية فنية تمزج بين الأصالة العراقية والحداثة البصرية.
أكرم محمد السراي
بغداد

​يُقال إن الفن هو الذاكرة الوحيدة التي لا تشيخ، وفي العراق، يكتسب الفن التشكيلي أبعاداً إضافية تتداخل فيها عراقة التاريخ بتحديات الحداثة. بالنسبة لي، لم يكن الفن مجرد خيار مهني، بل كان قدراً تشكّل منذ الطفولة، ونما كجسرٍ يربط بين جيلين؛ جيل والدي الذي منحني الشغف الأول، وجيلي الذي يحاول اليوم وضع بصمة عراقية في فضاء العالمية.

​من الانبهار إلى الاحتراف

​ولدتُ في محافظة ذي قار عام 2002، وسط بيئة تنضح بالإلهام. بدأت علاقتي مع الكتلة والفراغ من خلال مراقبة والدي وهو يرسم تصاميم السيارات بتقنيات الأبعاد الثلاثية (3D) ببراعة متناهية. ذلك الانبهار بـ "خلق" شكل من لا شيء كان الشرارة التي قادتني لاحقاً إلى محافظة الديوانية، حيث قررت صقل هذه الموهبة بالدراسة الأكاديمية في معهد الفنون الجميلة.

​خلال سنوات دراستي، كان التفوق بالنسبة لي التزاماً أدبياً تجاه الموهبة، وهو ما تكلل بفضل الله بحصولي على المركز الأول في قسم الفنون التشكيلية. لم تكن الجوائز وكتب الشكر الثمانية التي نلتها مجرد أوراق تقديرية، بل كانت شهادة على أن "الفنان الصادق" هو من يزاوج بين الانضباط الأكاديمي والتحليق الإبداعي، خاصة حين يجد الدعم من أساتذة مبدعين غرسوا فينا أصول اللون والخط.

فلسفة اللوحة: الهوية واللغة العالمية

​تعتمد ممارستي الفنية على دمج القواعد الكلاسيكية للفنون الجميلة مع رؤية معاصرة تستكشف قضايا الهوية والتحولات العاطفية. أؤمن أن اللوحة يجب أن تتحدث لغة بصرية يفهمها الجميع دون الحاجة لمترجم؛ لذا أستخدم الوسائط الزيتية والتقنيات المختلطة لخلق عوالم تعبر عن جذوري العراقية العميقة، لكنها في الوقت ذاته تطرق أبواب الحداثة.

​هذا الطموح دفعني لتجاوز الحدود الجغرافية، حيث نلتُ شارة فنان معتمد وسفيراً لمنصة Artmajeur الفرنسية، وشاركت بأعمالي في الولايات المتحدة الأمريكية عبر منصات رقمية ومشاريع فنية حظيت بتقدير دولي. إن وصول الفنان العراقي الشاب إلى المحافل الدولية ليس إنجازاً شخصياً فحسب، بل هو رسالة تؤكد أن الإبداع العراقي قادر على تجديد نفسه وقيادة حوار ثقافي راقٍ مع الآخر.

​المسؤولية تجاه المستقبل

​إنني أرى في الفن وسيلة لدعم زملائي من الفنانين الشباب وتشجيعهم على الابتكار. فالمشهد التشكيلي المعاصر في العراق يحتاج إلى تكاتف الأقلام والريش لتقديم طرح هادئ وموضوعي يسمو بالذائقة العامة.

​ختاماً، سأظل ممتناً لتلك الريشة التي انتقلت إليّ من جيل والدي، وسأستمر في حملها لأرسم بها وجهاً مشرقاً لوطني، مؤمناً بأن الفن هو اللغة الأرقى للتعبير عن الوجود الإنساني.