بين رحمِ الفكرة ورحمِ الأرض: الوجود، الإنجاب

الفكر الغربي المعاصر يرى في الإنجاب عبءٍ وجودي وتوريثٍ للألم في ظل غياب الغاية، فيما تعتبره الرؤية الإسلامية استخلافا حضاريا بوعي تربوي يربط الأرض بالسماء ويقاوم سياسات الاستلاب.

في مساءٍ كونيٍّ طويل، حيث تتدلّى النجوم كأفكارٍ قديمة لم تجد من يرعاها، يقف الإنسان المعاصر أمام سؤالٍ يبدو بسيطاً في لغته، عاصفاً في جوهره: هل نُنجب؟ Should we have children? Faut-il avoir des enfants?

ليس السؤال بيولوجياً، ولا اجتماعياً فحسب، بل هو سؤال عن جدوى الوجود نفسه، عن علاقتنا بالزمن، وعن قدرتنا على الإيمان بأن الغد يستحق أن يولد.

في الفكر الغربي الحديث، وخصوصاً بعد الحداثة، لم يعد الإنجاب (Procreation / Reproduction) امتداداً للحياة، بل صار عند كثير من فلاسفتها توريثاً للألم؛ من "شوبنهاور" الذي رأى الوجود خطيئة كونية، إلى "سيوران" الذي اعتبر الولادة (سوء ذوق ميتافيزيقي)، مروراً بـ "نتشه" الذي فكك القيم، و"سارتر" الذي ألقى الإنسان في عبث الحرية، و"كامو" الذي جعل الحياة تمرينًا على الصمت أمام العبث.. تشكّل خطابٌ يرى العالم بلا غاية، والإنسان بلا سندٍ علوي.

في هذا الأفق المسدود، وُلدت فلسفات اللاإنجاب (Antinatalism): لماذا نُدخل طفلاً إلى عالمٍ لم نختره نحن؟ هنا، لم تعد الطبيعة أماً، بل صارت قاسية، ولم يعد الكون نصاً مفتوحاً على غاية ذات معنى، بل آلةً صمّاء، ولم يعد المستقبل وعداً، بل تهديداً بيئياً، واقتصادياً، ونفسياً. فالغرب، وقد انتصر علمه على الطبيعة، هُزم أمام سؤال الغاية. امتلك المعرفة، لكنه فقد الحكمة، فصار يخاف الإنجاب كما يخاف الشيخوخة والموت؛ كلها تذكيرات بأن السيطرة وهم.

في المقابل، يأتي القرآن لا ككتاب وعظٍ مجرد، بل كخريطة كونية تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان، والطبيعة، والزمن، والغيب: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾. هنا، الكون ليس عدواً، بل آية. والجسد ليس عبئاً، بل أمانة. والطفل ليس احتمال ألم، بل شهادة استمرار.

الإنجاب في الرؤية القرآنية ليس فعل تكاثر أعمى، بل استخلاف: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. الخلافة تعني: أن تُسلّم الشعلة، أن تربط الأرض بالسماء، أن تجعل من الجيل القادم امتداداً للواجب القائم لا تكراراً للغريزة. ولذلك لم يفصل الإسلام بين الإنجاب والتربية، ولا بين الكثرة والقيم، ولا بين الجسد والروح.

وفي السنة النبوية، لا نجد رومانسيّة ساذجة، ولا تشاؤمًا عدميًا، بل نجد واقعية مؤمنة: «تزوَّجوا الودودَ الولودَ فإني مُكاثرٌ بكم الأمم». لكن هذه الكثرة ليست رقماً في إحصاء، بل قوة حضارية: علماً، وخلقاً، وعدلاً، وعمراناً. فالطفل في المجتمع الإسلامي ليس ملكاً لذاته، بل جزء من نسيجٍ اجتماعي، تحيطه الأسرة، ويحتضنه الوقف، وتؤطره الأخلاق، وتحميه الشريعة من التحول إلى سلعة أو عبء.

الغرب يرى العلاقة بين الإنسان والطبيعة علاقة صراع: إمّا الإنسان، أو الكوكب. أما الرؤية الإسلامية فترى الانسجام: الإنسان راعٍ، لا مفترس. الأرض أمانة، لا غنيمة. فالإنجاب الواعي لا يدمّر البيئة، بل يحميها عبر جيلٍ متصالح مع الكون، يرى في الشجرة تسبيحاً، وفي النهر حياةً مشتركة، وفي الحيوان كائناً ذا حرمة. وهنا تتحول الطبيعة من (خطر مستقبلي) إلى حاضنة فكرة صائبة على صراط مستقيم.

في السياق الاستعماري، لم يكن استهداف الأرض وحده هو الهدف، بل استهداف الاستمرارية. الكولونيالية تعرف جيداً أن الأمة التي لا تُنجب، أو تُنجب بلا وعي، أمة قابلة للذوبان. لذلك: ضربوا الأسرة، شككوا في القيم، زرعوا الخوف من المستقبل، شيطنوا الأمومة والأبوة، وحوّلوا الحرية إلى قطيعة مع الامتداد.

أما الأمة التي تُنجب بوعي، وتُربي بعقيدة، وتُعلّم بعقل ناقد، فهي أمة مقاوِمة حتى دون سلاح؛ فالطفل هنا ليس مجرد فرد، بل وحدة سيادية ثقافية. تخيّل طفلًا يولد في قريةٍ تحفّها الزيتون، تعلّمه أمه أسماء النجوم، ويقصّ عليه أبوه حكايات الأنبياء، ويكبر وهو يعلم أن الكون ليس صدفة، وأن الألم ليس عبثاً، وأن الحياة ليست نزهة ولا لعنة، بل مسؤولية جميلة.