رؤية متكاملة وتخطيط محكم يصنعان نجاح عقارات الشارقة

عقارات الشارقة تسجل أعلى مستوى تداول في تاريخها خلال العام 2025.. في تحول هيكلي عميق في طبيعة السوق العقاري بالإمارة وفي موقع الشارقة ضمن الخريطة الاستثمارية الإقليمية والدولية.

الشارقة (الإمارات) - شهد عام 2025 لحظة مفصلية في مسار التطور الاقتصادي والعمراني لإمارة الشارقة، مع تسجيل القطاع العقاري أعلى مستوى تداول في تاريخه بقيمة إجمالية بلغت 65.6 مليار درهم، محققاً قفزة غير مسبوقة بنسبة 64.3 في المئة مقارنة بعام 2024.

ولا تمثل هذه الأرقام مجرد طفرة ظرفية أو ارتفاعاً رقمياً عابرا، بل تعكس تحوّلا هيكليا عميقا في طبيعة السوق العقاري بالإمارة وفي موقع الشارقة ضمن الخريطة الاستثمارية الإقليمية والدولية. والأهم من ذلك، أنها تأتي في سياق أوسع من التحولات الاستراتيجية التي تشهدها دولة الإمارات على مستوى القطاعات الحيوية كافة، في تناغم واضح مع رؤية استشرافية للقيادة، وتخطيط محكم يوازن بين النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.

وعند تفكيك المشهد العقاري في الشارقة، يتضح أن ما تحقق ليس نتاج عوامل آنية، بل حصيلة مسار طويل من التخطيط المؤسسي والتنظيمي، فيما يشير ارتفاع إجمالي عدد المعاملات العقارية إلى 132659 معاملة خلال العام، بنسبة نمو بلغت 26.3 في المئة، إلى اتساع قاعدة المتعاملين وتزايد الثقة بالسوق وتحول الشارقة إلى وجهة عقارية أكثر جاذبية ليس فقط للمستثمرين المحليين، بل أيضاً للأجانب الباحثين عن بيئة مستقرة وفرص استثمارية ذات عائد مستدام.

هذه الأرقام لا تمثل مجرد طفرة ظرفية أو ارتفاعا رقميا عابرا
هذه الأرقام لا تمثل مجرد طفرة ظرفية أو ارتفاعا رقميا عابرا

ويعكس الأداء اللافت لمعاملات البيع التي بلغت 33,580 معاملة بنمو 38.4 في المئة، تغيراً في أنماط الطلب العقاري، فالإقبال لم يعد مقتصراً على الاستثمار المضاربي قصير الأجل، بل بات مدفوعاً باحتياجات سكنية حقيقية، وارتفاع العائد الإيجاري، واستقرار نسبي في الأسعار، إلى جانب تنوع المشاريع العقارية وخيارات التمويل المتاحة. وهذا التحول منطقياً يشير إلى نضوج السوق، وانتقاله من مرحلة التوسع الكمي إلى مرحلة الترسخ النوعي.

في قلب هذه القفزة تقف رؤية قيادية طويلة الأمد، تجسدت في توجيهات الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ودعم ومتابعة الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي العهد نائب حاكم الشارقة رئيس المجلس التنفيذي.

ولم تركز هذه الرؤية فقط على جذب الاستثمارات، بل على بناء منظومة عقارية متوازنة قائمة على الاستقرار التشريعي، والحوكمة، والمرونة التنظيمية، بما يضمن استدامة النمو وحماية حقوق جميع الأطراف.

وتؤكد تصريحات عبدالعزيز أحمد الشامسي مدير عام دائرة التسجيل العقاري في الشارقة، هذه القراءة، حين أشار إلى أن النمو الاستثنائي ليس وليد الصدفة، بل ثمرة تخطيط استراتيجي طويل الأمد أسس لمنظومة عقارية متكاملة، قادرة على استقطاب الاستثمارات النوعية طويلة الأجل.

 ولا تقوم هذه المنظومة فقط على القوانين، بل على بنية تحتية متطورة وجودة حياة عالية، ما يعزز قدرة الشارقة على المنافسة إقليمياً.

الشامسي: النمو الاستثنائي ليس وليد الصدفة، بل ثمرة تخطيط استراتيجي
الشامسي: النمو الاستثنائي ليس وليد الصدفة، بل ثمرة تخطيط استراتيجي

وأحد المؤشرات الأكثر دلالة على متانة السوق هو نمو قيمة الرهونات العقارية إلى 15.5 مليار درهم عبر 6,300 معاملة رهن، بنسبة زيادة بلغت 45.1 في المئة، فيما يعكس هذا الارتفاع ثقة القطاع المصرفي والمالي في السوق العقاري بالشارقة.

كما يشير إلى قوة الملاءة الائتمانية واستقرار الأطر التنظيمية والتشريعية. بمعنى آخر، لم يعد القطاع العقاري في الشارقة مجرد مجال للاستثمار الفردي، بل بات جزءاً من منظومة مالية أوسع تدعم النمو الاقتصادي.

إلى جانب ذلك، فإن تنوع الجنسيات المستثمرة في عقارات الشارقة والذي ارتفع إلى 129 جنسية، يمثل مؤشراً قوياً على العولمة المتزايدة للسوق المحلي، فيما يؤكد تداول مستثمرين من مختلف الجنسيات على أكثر من 60 ألف عقار خلال العام اتساع قاعدة المستثمرين، ويؤكد كذلك أن الشارقة لم تعد مجرد سوق محلي أو إقليمي، بل باتت لاعباً على الساحة العقارية الدولية.

مع ذلك، يظل المواطن الإماراتي في صدارة المشهد، حيث بلغت استثمارات مواطني الدولة نحو 33.8 مليار درهم في أكثر من 41 ألف عقار. وهذا الحضور القوي يؤكد ثقة المواطنين في اقتصادهم المحلي، ويرسخ حقيقة أن النمو العقاري ليس موجهاً فقط للأجانب، بل يخدم بالأساس التنمية الداخلية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

الشارقة لم تعد مجرد سوق محلي أو إقليمي
الشارقة لم تعد مجرد سوق محلي أو إقليمي

كما أن نمو المعاملات العقارية المختلفة – من شهادات الإفادة وسندات الملكية إلى عقود البيع المبدئية والتثمين – يعكس ديناميكية متكاملة داخل السوق، حيث تتكامل عمليات التملك والتقييم والتسجيل في منظومة واحدة أكثر كفاءة وشفافية. وهنا يبرز دور التحول الرقمي الذي قادته دائرة التسجيل العقاري، إذ أسهم في تسريع الإجراءات، ورفع كفاءة ودقة المعاملات، وتعزيز الشفافية، ما انعكس إيجاباً على تجربة المتعاملين وسهولة ممارسة النشاط العقاري.

لكن أي قراءة واقعية وموضوعية لهذه القفزة بمعزل عن السياق الإماراتي الأوسع ستكون قاصرة، فما يحدث في الشارقة يتناغم مع تحولات عميقة تشهدها دولة الإمارات في قطاعات متعددة، من الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة إلى الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية. وهذا الحراك الشامل يعكس رؤية استشرافية للقيادة الإماراتية، تقوم على تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، وبناء نموذج تنموي مستدام قائم على المعرفة والابتكار.

ويمكن النظر إلى الطفرة العقارية في الشارقة بوصفها جزءاً من قصة نجاح أوسع لدولة الإمارات، التي باتت محل اهتمام دولي ووجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية، فالتكامل بين الرؤية العامة للدولة والتخطيط المحلي في كل إمارة، بما فيها الشارقة، خلق بيئة استثمارية متماسكة تجمع بين الاستقرار السياسي والمرونة الاقتصادية والبنية التحتية المتطورة.

من الرؤية إلى الواقع: التخطيط المحكم يقود نجاح عقارات الشارقة
من الرؤية إلى الواقع: التخطيط المحكم يقود نجاح عقارات الشارقة

كما أن التركيز المتزايد على الاستدامة في المشاريع العمرانية يعكس تحولاً نوعياً في فلسفة التنمية، اذ لم يعد الهدف مجرد بناء المزيد من الوحدات السكنية أو التجارية، بل تطوير مدن ذكية تراعي البيئة وتوفر جودة حياة عالية يمكن وتوازن بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية.

واستنادا لما سبق يمكن القول إن النمو الجامح الذي يشهده قطاع العقارات في الشارقة ليس استثناءً، بل هو انعكاس محلي لمسار وطني أوسع تتبناه دولة الإمارات. مسار يقوم على التخطيط المحكم، والتكامل بين الرؤية والسياسات التنفيذية، والاستثمار في البنية التحتية والابتكار والتحول الرقمي.

وتبدو الشارقة اليوم في موقع مختلف عما كانت عليه قبل سنوات قليلة. لم تعد مجرد إمارة ذات طابع ثقافي وتعليمي مميز فحسب، بل باتت مركزاً اقتصادياً وعقارياً واعداً، يسهم بفاعلية في تعزيز مكانة الإمارات كوجهة عالمية للاستثمار والتنمية. وإذا استمرت هذه الوتيرة، فإن 2025 قد يُنظر إليه لاحقاً ليس كنقطة ذروة فحسب، بل كبداية مرحلة جديدة من النمو النوعي المستدام في القطاع العقاري بالإمارة وفي الاقتصاد الإماراتي ككل.