زهير الجزائري يطرق باب الفرج

رواية الكاتب العراقي تعيدنا الى التاريخ القديم، ذلك أننا كلّما تقدّمنا بالسن تمنّينا العودة إلى الماضي.


أحداث الرواية تدور في الفترة بين نهاية الاحتلال العثماني وبداية الاحتلال البريطاني


عدت للوطن لأشاهد ما تغير فيه الآن

روما ـ صدرت حديثاً عن منشورات المتوسط – إيطاليا، رواية جديدة للكاتب والروائي العراقي زهير الجزائري، بعنوان: "باب الفرج". رواية «تعيدنا الى التاريخ القديم، ذلك أننا كلّما تقدّمنا بالسن تمنّينا العودة الى الماضي» أو كما تحدَّث عنها كاتبها سابقاً، وهو الذي توزَّعت حياته في المنفى منذ 1979 بين أماكن عدَّة، ليواصل ويقول: «عدت للوطن لأشاهد ما تغير فيه الآن». 
و"باب الفرج" هي رواية عن رجل دين وثلاث زوجات وحشد من البنات والأبناء في بيت واحد تعصف بهم أحداث الحروب بين احتلالين. تدور أحداث الرواية في الفترة بين نهاية الاحتلال العثماني وبداية الاحتلال البريطاني، أما مسرح الأحداث فهو مدينة النجف في الأعوام من ١٩٠٦ مع بدايات الإصلاح الديني، إلى سنوات الهزيمة عام ١٩١٤. حيث يهتز المقدس في المدينة تحت ضربات الواقع في فترة عصفت بها الحروب والكوارث. 

لم يكن حلماً ولا هلوسة، يا والدي، فقد رأيتُهم كما أراكَ الآن ... رأيتُهم يحزّون رقاب الزّوّار، ويُلقون الرؤوس من وراء السور للتحذير

ومن الأحداث الصغيرة في بيت واحد أراد الكاتب أن يصل للأحداث الكلية ووقعها على أكثر من عشرين شخصية يجمعها مكان واحد وتفرقها أقدارها وأقدار المدينة. التاريخ يلقي ظلاله الثقيلة على الحاضر، وعلى الكاتب وهو يحلق فوق الأزمنة فيرى الماضي بعين الحاضر، ويعيد تشكيل الحاضر كمأساة ومهزلة في آن واحد.
بين ذاك الماضي وهذا الحاضر يجول بنا زهير الجزائري ببراعة في هذه الرواية.
أخيراً، جاءت الرواية في 320 صفحة من القطع الوسط.
من الرواية:
ذات ظهيرة قائظة، تسلّل الشيخ مرتضى من سرداب البيت متتبّعاً خطوات ابنه الهامسة إلى السطح، وفزع وهو يراه من وراء سياج السّلّم واقفاً تحت شمس تغشي النظر، واقفاً بميلان غريب، وقد تدبّب أنفه مثل منقار، وتدبّبت شفتاه وهو يشرب الريح، وضاقت عيناه، ليتحاشى شعاعاً جارحاً، وطارت خصلة أمامية من شَعْره مثل عرف طائر، وتدبّبت أذناه مثل جناحَيْن. حتّى خياله التمّ تحت قَدَمَيْه آخذا شكل طائر بدين. لم يصعد، لكنه بقي هكذا، وإقفاً وهو يشقّ الريح، فتصفّر حوله. فزع مرتضى حتّى نشف ريقه (سيطير منّا، ولن يعود). عرف مسبّقاً هذا الفعل، ولا يقدر على ردّه، فهزّ رأسه تاركاً العاقبة للخالق. لكنه عرف بأن ابنه لم يكتفِ بالطيران فوق الأمكنة، إنما صار، بعد سقوطه على أكداس الحطب، يطير فوق الأزمنة. يرى أشياء حدثت قبل عقود، ويصف بالتفصيل وهو يشهق من الفزع أحداثاً، لم يرها، لذلك استدعاه إلى البرّانيّ كاتماً غضبه: 

الأموات وحدهم رأوا ذلك
ذات ظهيرة قائظة

-  قلْ ما رأيتَ بالضبط؟
تردّد عليّ وتلعثم وهو يلاحظ غضب والده:
-  لم يكن حلماً ولا هلوسة، يا والدي، فقد رأيتُهم كما أراكَ الآن ... رأيتُهم يحزّون رقاب الزّوّار، ويُلقون الرؤوس من وراء السور للتحذير، ورأيتُ الشيخ كاشف الغطاء يحشد الناس للدفاع عن المدينة، رأيتُ آل أصيبع وآل كرماشة يسدّون ثغرات السور بأكتافهم.
-  الأموات وحدهم رأوا ذلك. هل أنتَ منهم؟!
زهير الجزائري:
كاتب عراقي من مواليد النجف ١٩٤٣، خريج كلية اللغات ببغداد (الأدب الألماني) كما تخرج من جامعة كمبردج (لندن) في اللغة الإنكليزية. عمل في الصحافة العراقية والعربية والأجنبية منذ ١٩٦٨، ترأس تحرير جريدة "المدى" ووكالة "أصوات العراق" في الفترة من ٢٠٠٤ – ٢٠١٣. غطى تسع حروب في الشرق الأوسط وأفريقيا.
تنوعت كتاباته وتجاربه بين الأدب، الصحافة، والنضال السياسي، وصدر له ٢٣ كتاباً، تسعة منها في الرواية والسيرة، تُرجم له كتابٌ إلى الإنكليزية وصدر بعنوان: The devil you don’t know.