زيارة البابا للعراق خدمت السياسيين وانصرفت عن قضايا المسيحيين

سياسيو العراق نالوا من زيارة الحبر الأعظم جائزة لا يستحقونها مستثمرين ذلك في تلميع صورتهم استفادة من سمعة البابا كرمز للسلام للتغطية على سياستهم الانتهازية وممارساتهم العنصرية تجاه المسيحيين.


زيارة البابا ساعدت على تبييض فساد الطبقة السياسية في العراق

إن المتابع عن كثب لزيارة بابا الفاتيكان إلى العراق يكتشف أن مشاعر الفرح الغامرة التي تجلت في جولات البابا فرنسيس بالأراضي العراقية حجبت الآثار الواقعية للزيارة التي خدمت النظام القائم والسياسيين المسؤولين مباشرة عما آلت إليه أوضاع البلد من سوء على الرغم من توفره على ثروات ضخمة، وانصرفت عن فتح ملفات ملحة كالأزمة الاقتصادية ولاضطرابات الأمينة المنعكسة بشكل كبير على الأقلية المسحية خاصة شمال العراق.

وبينما كان أبناء الأقلية المسيحية يعبرون بصدق عن سعادتهم ومشاعرهم الجياشة التي استقبلت إطلالة البابا عليهم بعد طول معاناة ومكابدة في بلد يغرق في العنف الطائفي ونفوذ الميليشيات،  استثمر سياسيو العراق والرموز الذين التقى بهم البابا خلال زيارته والمتهمون من قبل العراقيين بالفساد وهم يبالغون ببهتان وإصرار في الترحاب بالحبر الأعظم كرمز للسلام في ترويج صورة إيجابية عنهم مختلفة عن صورتهم الحقيقية كانتهازيين يقودون نظاما فاشلا بكل المقاييس كرّس العنف والطائفية وأضعف وحدة المجتمع وأفقر الدولة رغم غناها بالموارد.

وانتقد النائب السابق في البرلمان العراقي عن المكوّن المسيحي جوزيف صليوا زيارة البابا، قائلا إنّه لا أوهام بشأن نتائجها، معتبرا أنّه كان من الأجدر أن يتمّ خلالها بحث ملفات مهمّة.

وتساءل قائلا في حوار تلفزيوني "هل واقع الشعوب يتغير من خلال الزيارات والقول السلام عليكم ومع السلامة".

زيارة البابا كانت ستكون تاريخية في حال استمع الحكام في العراق إلى ما يقوله وطبقوه على أرض الواقع

وذهب صليوا المعروف بنقده اللاّذع للسياسيين ولرجال الدين المسيحيين العراقيين الذين يتّهمهم بالتواطؤ مع النظام القائم والتربّح منه على حساب مكوّنهم، إلى القول إنّ زيارة البابا ساعدت على استغباء الشعب العراقي.

كما نفى أن تكون للزيارة أي نتائج تصب في مصلحة المسيحيين في العراق، ولكنّها منحت نوعا من الشرعية للسلطات العراقية. وقال إنّ تلك الزيارة كانت “ستكون تاريخية في حال استمع الحكام في العراق إلى ما يقوله البابا وطبقوه على أرض الواقع".

وكانت جولة بابا الفاتيكان في المناطق العراقية قد شملت مدينة النجف ذات القدسية الخاصّة لدى المسلمين الشيعة والتي يتخّذها المرجع الشيعي علي السيستاني مقرّا.

واكتسى لقاء البابا بالسيستاني أبعادا رمزية كبرى تحيل على التسامح والتعايش اللذين يحتاج إليهما العراق بشدّة بعد سنوات طويلة من العنف الذي حدث أغلبه بسبب ارتفاع منسوب التوتر الطائفي.

ولا يُتّهم السيستاني في الغالب بالطائفية وتُعرف عنه مواقف داعية إلى التهدئة والتعايش، كما يعتبره الكثير من العراقيين داعية إصلاح حريص على أخذ مسافة عن السياسيين من خلال نقده لهم ورفضه توفير الغطاء لسياساتهم.

ومع ذلك لا تخلو الساحة ممن يعتبرون السيستاني مسؤولا بشكل مباشر عن تقوية شوكة الميليشيات ومساعدتها على الوصول إلى ما هي عليه اليوم من تغوّل وتمرّد على سلطة الدولة وقادتها السياسيين والعسكريين.

فالسيستاني يعد أبا روحيا للحشد الشعبي المكوّن من عشرات الميليشيات الشيعية بالأساس وذلك من خلال ما يعرف بفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها سنة 2014 بهدف جمع المتطوّعين لمواجهة تنظيم داعش الذي غزا العراق في تلك السنة في ظل حالة من شبه الانهيار للقوات النظامية، وسيطر على ما يقارب ثلث مساحته وصولا إلى مشارف العاصمة بغداد.

هناك ما يدعو للترحيب الحار
هناك ما يدعو للترحيب الحار

ويقول المدافعون عن السيستاني إنّ دوافعه من إصدار تلك الفتوى كانت واضحة ومحدّدة وتتلخّص في حماية البلد والدفاع عن عاصمته، وإنّه غير مسؤول بعد ذلك عن استخدام الحشد الشعبي في غير المهمّة التي أنشئ من أجلها وانغماسه في ممارسات طائفية واعتداءات متنوّعة على سكّان المناطق التي شارك في معارك استعادتها من تنظيم داعش.

وكانت تلك الاعتداءات قد طالت المسيحيين في شمال وغرب العراق من خلال الاستيلاء على ممتلكاتهم ومنعهم في الكثير من الأحيان من العودة إلى ديارهم التي رحلوا عنها فرارا من تنظيم داعش.

لكنّ المنتقدين للمرجع الشيعي يؤاخذونه على عدم إصداره فتوى مضادّة بحل الحشد الشعبي بعد نهاية الحرب ضد تنظيم داعش سنة 2017، الأمر الذي كان سيسحب غطاء الشرعية عنه.

 وحتى إن لم تتم الاستجابة للفتوى وهو أمر متوقّع بعد أن تمّ تحويله إلى هيئة "نظامية" تابعة صوريا للدولة وخاضعة شكليا لإمرة قيادتها السياسية والعسكرية، فإنّ إقدام السيستاني على مثل تلك الخطوة كان سيخليه من المسؤولية عن أفعال الحشد وممارساته وجرائمه ضدّ العراقيين.

ولأنّ التركيز خلال جولة البابا في أنحاء العراق كان على المسائل الرمزية والمعاني الإيجابية من قبيل الحثّ على التسامح والتعايش السلمي بين أبناء الديانات والطوائف المختلفة، فقد تمت زيارته إلى النجف ولقائه بالسيستاني بمعزل عن تلك الاعتبارات المثيرة للجدل والخلاف.

وقال البابا بعد أيام من عودته إلى الفاتيكان "بعد هذه الزيارة امتلأت روحي بالامتنان.. امتنان لله ولجميع الذين جعلوا هذه الزيارة ممكنة؛ لرئيس الجمهورية ولحكومة العراق، لبطاركة وأساقفة البلاد، بالإضافة إلى جميع الكهنة والمؤمنين، للسلطات الدينية بدءا من آية الله العظمى السيستاني الذي كان لي لقاء معه لا يُنسى في مقر إقامته بالنجف".

وبمواصلة تقويم زيارة البابا إلى العراق بموازين الربح والاستفادة، يتبيّن أنّ قيادة إقليم كردستان العراق كان لها نصيب من العائد السياسي والمعنوي لتلك الزيارة.

وعلى غرار باقي القيادات السياسية العراقية، تتعرّض قيادة الإقليم إلى موجة غضب شعبي جرّاء الأوضاع الاجتماعية الصعبة والأزمة المالية التي أدّت إلى وقف دفع رواتب الموظفين لأشهر متتالية، كما أنّها ملاحقة من قبل الشارع الكردي بتهم الفساد وهدر المال العام والانصراف إلى الصراع في ما بينها على السلطة ومكاسبها.

ويرى  البعض أنّ قادة إقليم كردستان العراق نالوا من خلال زيارة البابا لإقليمهم جائزة لا يستحقونها. وقال صليوا "الساسة الأكراد صادروا أراضيَ تعود إلى المسيحيين داخل كردستان إضافة إلى قيامهم بتغيير ديموغرافي ومحاولة طمس تاريخ المنطقة"، ومع ذلك فقد سعوا إلى "توظيف زيارة البابا سياسيا للتغطية على سياستهم العنصرية تجاه المسيحيين".