"سحابة أورت" العلاقة الشائكة بين الحب والغفران

ابتسام الحسبان تستدعي محطات وذكريات لا تنسى في حياة أبطالها من الجنسين.


وردة رقصت فرحاً يوم وفاة زوجها لأنه قتل ابنتها دفاعاً عما يسميه "شرف"


سحابة أورت فوق رؤوسنا قد تضربنا بها بأحد أنوارها المتلألئة، حاملة خلاصاً لا نريده

بيروت ـ التيه في الحب، كالتيه في الصحراء، لا يعرف التائه فيها إلى أين يتجه. وبطلة روايتنا أنثى أصابتها لوثة الحب، ولكنها أضاعت الطريق، اختارت حباً وتركت آخر. أحبها شقيقان (أخوين)، الأول جريء اعترف بحبه لها وفاز بها، والثاني خاف من الاعتراف فبقي سجين حبه.
"سحابة أورت" نص روائي يبحث في العلاقة الشائكة بين الحب والغفران أبدعته الكاتبة ابتسام الحسبان للتعبير عن الجانب المأساوي في التجربة العاطفية، وتفعل ذلك عبر استدعائها لمحطات وذكريات لا تنسى في حياة أبطالها من الجنسين. "سارة" بطلة الرواية التي فقدت أمها يوم ولادتها، وفقدت "أحمد" بعد عام من زواجها، وكانت سبباً في وفاته ليس بإرادة منها وبقيت عالقة بماضيها. 
و"لمياء" التي أصابها جنون الحب ولم يكن طريقها إلى السعادة التي حلمت بها عندما تزوجت برجلٍ متزوج سراً فانتهى زواجها بالطلاق بعد معرفة زوجته وأهلها. 
و"دينا" التي أحبت زير نساء وعندما تزوجته عاشت في شكٍ دائمٍ، وعذاب نفسي إلى أن اكتشفت خيانته يوماً وتسببت في مقتله. 
و"وردة" التي رقصت فرحاً يوم وفاة زوجها لأنه قتل ابنتها دفاعاً عما يسميه "شرف". 
أما أبطال الرواية من الرجال فنجد "أحمد" الذي اعترف لزوجته "سارة" بأنه أحب فتاةً أخرى قبلها، لكنها هجرته وتزوجت بغيره. و"قصي" الذي أحب "سارة" بصمت واحترم رغبة أخيه "أحمد" بالزواج منها، تركها لسعادتها كما كان يظن.. فاكتشف أن تضحيته من أجل أخيه ذهبت سدى. و"عبد الرحمن" الذي اختار الجهاد على أن يبقى بجانب عائلته.
تحاول هذه الرواية القول بأننا بعد أن نمتلك ما نحب يكون أمامنا خياران، إما أن نرضى به مهما كان أو أننا – كما نفعل دائماً كبشر- نبدأ بالبحث عن شيء جديد، شيء يشعل رغبتنا بالبحث والتحدي، شيء يجعل خياراتنا أضيق، لنبحث عنه ثانيةً في وجوه الآخرين.
ما يميز هذه الرواية هو ثقافة مبدعتها ومرجعياتها اللغوية، فقد كشف السرد عن قدرة فائقة في استخدام المنولوج الداخلي، والتعاقب الزمني في الذكريات، واستخدام المسار الدائري للسرد، والتداخل بين المعيش والمروي. ورصد ما يدور في ذهن الشخصية من خلال جزئيات شديدة الخصوصية مرتبطة بالحالة النفسية لكل شخصية. كما يلعب الحضور الشعري كمقاطع لا محكيات دوراً في اختراق الميثاق السردي التقليدي، وفي كسر رتابة الحكي، وتوسيع أبعاده، وليعمل كمكثف حكائي لما تم سرده في كل وحدة سردية. 
أما استدراج اللوحة التشكيلية كتقنية سردية اتكأ عليها عنوان الرواية "سحابة أورت"، فبدا أمراً مدهشاً عندما نلحظ رغبة الراوي في تجسيد القول السردي بمعطى مادي من خارج الجنس الأدبي، لتقريب المعنى إلى ذهن المتلقي. "ما لم يدركه صاحب المعرض، أننا جميعاً نحمل سحابة أورت فوق رؤوسنا، ساهين عن اللحظة التي قد تضربنا بها بأحد أنوارها المتلألئة، حاملة خلاصاً لا نريده، وإن كان بعضنا يتمناه".