سد النهضة .. الاستفادة المصرية

نجلاء مرعي تتناول محددات الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل مع التطبيق على مشروع سد النهضة.


لا بد من امتلاك رؤية جديدة لما تشهده منطقة حوض النيل من مستجدات وتطورات تتعلق بموازين القوى والمصالح الإقليمية والدولية


ثمة حرص دولي وإقليمي على التواجد بقوة في منطقة شرق إفريقيا والبحيرات العظمي

تعددت استخدامات الأنهار الدولية في العقود القليلة الماضية بشكل كبير، وأدى هذا التعدد في الاستخدامات وكثافة الأنشطة المرتبطة بها إلى مزيد من الندرة في المياه العذبة، وإلى صراعات ومنازعات حولها بشأن حقوق كل دولة من الدول النهرية في الإفادة من مياه النهر في الأغراض المختلفة. وذلك وفقا لأستاذ مساعد العلوم السياسية وخبيرة الشئون الإفريقية د.نجلاء مرعي، التي أشارت إلى أن هذا طرح على الباحثين في نطاق القانون الدولي سؤالا، مؤداه: إلى أي مدى، يمكن القول إن ثمة قواعد قانونية محددة يمكن الارتكان إليها لحل ما قد ينشأ من منازعات في هذا الصدد بطريقة سلمية، وبما يكفل تطبيق مبدأ حسن الجوار، ويحفظ الحقوق المشروعة لكل دولة من الدول النهرية في الإفادة من موارد النهر؟ كما أدى إلى ظهور قاعدة قانونية جديدة مؤداها أن كل دولة نهرية ينبغي عليها عند استعمالها للجزء من النهر المار عبر أراضيها ألا تتسبب في أضرار مهمة لدولة أخرى من دول المجري المائي الدولي. 
حللت مرعي في كتابها الصادر أخيرا عن دار العربي بعنوان "سَدّ النهضة الإثيوبي.. الصراع المائى بين مصر ودول حوض النيل" محددات الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل مع التطبيق على مشروع سد النهضة الذي يمثل إحدى حلقات أزمة السدود بين مصر وإثيوبيا، وخاصة في ظل توالي المفاوضات الثلاثية (المصرية ـ السودانية ـ الإثيوبية) فيما بعد ثورة 30 يونيو 2013 وتحديات إدارة هذا الملف الحيوي في ظل التفاعل الدولي والاقليمي في الأزمة وتأثيراتها على الأمن القومي المصري والعربي عموما. 
وأكدت مرعي أن ثمة حرصا دوليا وإقليميا على التواجد بقوة في منطقة شرق إفريقيا والبحيرات العظمي، والسعي نحو تعزيز العلاقات مع دول المنطقة من أجل تعظيم المصالح، وإيجاد موطئ قدم في تلك المنطقة، التي تتمتع بأهمية جيوستراتيجية كونها تتمتع بموقع جيوبوليتيكي، جعلها محط أنظار القوى الدولية والإقليمية. ومن هنا انطلق تحليلها من مقولة مفادها: "أن كلا من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية باعتبارهما من القوى الخارجية المؤثرة على النظام الإقليمي لحوض نهر النيل تلعبان دوراً محوريا في إعادة رسم خريطة التوازن الإقليمي في المنطقة والصراع المائي في الحوض ـ سواء بشكل مباشر أم غير مباشرـ تحقيقاً لمصالحهما الوطنية في تلك المنطقة". 

AlNahda dam
تبني فكرة الصفقة الكاملة من خلال المشروعات

ولفتت إلى أن آثار ما تقوم به إثيوبيا من إنشاء سد النهضة، وما يقترن به من مخاوف مشروعة لكل من مصر والسودان، في ضوء الدراسات التي تشير إلى ما سيلحق بهما من آثار سلبية، أهمها العجز المائي في حصة مصر، وانخفاض القدرة الإنتاجية من الكهرباء المولدة من السد العالي، جدلا واسعا في مصر حول الانتفاع غير العادل لنهر النيل حيث لا يقل أمن المياه أهمية عن الأمن القومي حيث إن التفسير المصري لمفهوم الأمن القومي لم يعد قائمًا على الجانب الاستراتيجي وحده بل امتد ليواكب ويتلاءم مع الأمن المائي، ولقد كانت المياه محلاً للصراعات نظرًا لأهميتها في مجال التجارة وتوزيع مناطق النفوذ، إلا أنه ظهر مؤخرًا على المسرح العالمي أن المياه العذبة هي محل الصراع القائم بعد أن تم حسم الصراع على المياه المالحة. 
وأضافت مرعي "لذا حرصت الدبلوماسية المصرية خلال مفاوضات سد النهضة في ظل مآلات ثورة 25 يناير 2011 على استمرار نهج تفاوضي مستندًا إلى مجموعة من الثوابت الحاكمة والتي تنم عن رغبة في توسيع أطر التعاون وتكامل الأهداف مع التعبير في الوقت نفسه عن المخاوف بشأن التأثيرات السلبية للسد على الأمن المائي. مع الأخذ في الاعتبار أن اللحظة الراهنة تتطلب استعادة القدرة على المبادرة والتأثير في بيئة التفاوض بشكل أشمل من مجرد مواجهة أزمة سد النهضة أو التعامل مع إثيوبيا فقط، بل أيضا صياغة رسالة خاصة لقضية الأمن المائي ضمن رسالة أوسع للتوجهات الرئاسية للسياسة الخارجية المصرية تجاه إفريقيا. 
ورأت مرعي أن تحدي سد النهضة الإثيوبي وتهديده للأمن المائي المصري لا يزال قائما، حيث إنه لا يرتبط فقط بسعته التخزينية وسلامة وأمان السد، ولكن أيضا بالرسالة التي حملها من تجاوز حقوق مصر التاريخية، فضلًا عن غياب أي ضمانات لعدم تكراره في إثيوبيا أو أي من دول حوض النيل. ومن ثم يجب أن تبنى الاستراتيجية المصرية على ضمان عدم تكرار هذه الأزمة، والخروج منها بأقل خسائر ممكنه، وأن تدفع للتواصل لاتفاق مؤسسي وقانوني لتنظيم إدارة التعاون بين دول حوض النيل.
وشددت على أن ذلك يتطلب امتلاك رؤية جديدة لما تشهده منطقة حوض النيل من مستجدات وتطورات تتعلق بموازين القوى والمصالح الإقليمية والدولية، وما يتوافر لمصر من قدرات وإمكانات في هذه اللحظة. فعلي الرغم من أن التحركات المصرية الراهنة لا تنطلق من فراغ، فقد نجحت دبلوماسية ما بعد ثورة 30 يونيو في تنامي وحرص القيادة السياسية المصرية على استعادة مقومات الدولة المصرية وقدراتها على التحرك الفاعل في محيطها العربي والإفريقي، فأنه يجب الأخذ في الاعتبار أن اللحظة الراهنة تتطلب استعادة القدرة على المبادرة والتأثير في بيئة التفاوض بشكل أشمل من مجرد مواجهة أزمة سد النهضة أو التعامل مع إثيوبيا فقط، بل أيضا صياغة رسالة خاصة لقضية الأمن المائي ضمن رسالة أوسع للتوجهات الرئاسية للسياسة الخارجية المصرية تجاه إفريقيا، وأن تتضمن في الوقت نفسه بلورة رؤية لمعالجة درجات التشابك بين كثير من القضايا المطروحة على أجندة القارة الإفريقية، لا سيما تلك المتعلقة بقضايا التنمية والفقر والسلم والأمن.
وقالت مرعي إن هذه الرسالة بدورها، يجب أن تتضمن مبادرة جديدة لتفعيل أطر مبادرة دول حوض النيل، وأن تشمل تقديم تصور مصري متكامل لمعادلة التعاون المائي لا يقف عند سد النهضة، ولكن لمنظومة السدود على طول النهر وربطها بمتطلبات التنمية الزراعية والطاقة، وأن تتحدد وفقًا لجداول زمنية تراعي عدم الإضرار، وخاصة أن مشكلة التعاون لا ترتبط بندرة المياه ولكن بعدم القدرة على إدارة عملية الاستفادة من مياه النهر، حيث ترتبط بالمنظور الأحادي الذي سعت إثيوبيا وعدد من دول المنابع لفرضه على مصر كواقع من خلال اتفاق عنتيبي. 
وفي ضوء ما حللته مرعي لأبعاد وملامح أزمة سد النهضة وارتباطها بالأمن القومي والمائي والغذائي المصري، وجدت أنه من الضروري تقديم أدوات لتنفيذه، ومنها: 
أولا: توفير معلومات وبيانات دقيقة حتى لا يكون هناك مبالغة كبيرة للمخاطر، بل أهمية الوقوف على الواقع وتشخيصه وفقا للمعلومات، والدخول بسياسات الأفعال الرشيدة والاستراتيجيات العملية وليست سياسات ردود الأفعال. 
ثانيا: عدم اختزال قضية مياه النيل والتعاون المائي في قضية سد النهضة، وإنما لابد من تأكيد أن التعامل مع قضية السد يكون باعتبارها جزءا من الكل، فعلي الرغم من التهديد الذي يمثله السد لمسار التعاون، فلا بد من الانطلاق من مساحة أرحب، وهي أن القضية تتعلق بمستقبل التعاون المائي بين دول الحوض ككل. 
ثالثا: التحرك الدبلوماسي تجاه الجهات المانحة والممولة للسد، بالتوازي مع الدور الإعلامي ومنظمات المجتمع المدني في اتجاه جمع أوراق ضاغطة. 
رابعا: تأكيد الآثار ومخاطر بناء السد وعلاقة ذلك بطبيعة التربة الأثيوبية، وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه تحت ضغط كبير. ومن ثم فإن احتمال انهيار السد جائز، وبالتالي لا بد من تجسيد هذا الخطر أمام المفاوض الأثيوبي والمواطن المصري، حتى يستجيب لمسألة الترشيد. 
خامسا: عمل مخطط مائي مع جنوب السودان مع تدعيم أواصر العلاقات مع السودان، حتى لا تعرقل كل منهما أي مشروعات مائية مصرية مثل البديل الكونغولي وقناة جونجلي. 
سادسا: الدخول كشريك في مشروع سد النهضة من الناحيتين الفنية والهندسية، مع المحافظة على المشروعات الكهربية التي تطرحها ألمانيا والاتحاد الأوروبي، وهو ما يحفز إثيوبيا للتفاوض الجاد، لارتفاع فائض الكهرباء في إثيوبيا. 
سابعا: توطيد العلاقات وبناء جسور جديدة بين مصر وإثيوبيا، مجتمعيا وإنسانيا ودينيا وإعلاميا، بالإضافة إلى تقديم المساعدة والمساهمة في سد الاحتياجات المطلوبة لهذه الدولة في إطار زمني على المدي القريب والبعيد. 
ثامنا: تشجيع الاستثمارات في مجال الزراعة والمقاولًات في إثيوبيا وغيرها. 
تاسعا: دراسة العلاقة الإسرائيلية ـ الإثيوبية لفهم احتاجاتها المشتركة في المجالات المتنوعة منها: الزراعية وإنتاج الكهرباء وبل والاحتياجات الأمنية. 
عاشرا: تبني فكرة الصفقة الكاملة من خلال المشروعات، وذلك على مستويين: المستوى الأول مع دول الحوض، والمستوى الآخر مع الولايات المتحدة وعدد من القوى الفاعلة في المنطقة، لتعزيز فكر الاستقرار من خلال حوار إستراتيجي مصري مع هذه القوى. 
وخلصت مرعي إلى إن أمن مصر المائي وضمانه يتحقق ليس فقط استنادا إلى المداخل القانونية، أو الدبلوماسية، أو حتى العسكرية، بل إن السياسة المصرية يلزمها تطوير رؤية شاملة تراعي مصالح دول الحوض المتنامية، مع محاولتها تجاوز حالة التعثر التنموي التي عانتها تلك الدول، طوال عقود طويلة، وربط تلك المصالح بالمصلحة المصرية، وتحقيق التكامل بينهما.