سرقة جديدة في مصرف عراقي تحيي جدل اختلاس المال العام

التعامل مع سرقة مصرف الرافدين الأخيرة لا يمكن التعامل معها بوصفها حادثًا معزولا، بل يجب قراءتها ضمن سياق أوسع من الأزمات المتراكمة التي يعاني منها العراق في ملف الفساد.

بغداد - في حادثة جديدة تعيد فتح جراح قديمة، عاد اسم مصرف الرافدين الحكومي إلى واجهة الجدل في العراق، بعد الكشف عن تعرّض أحد فروعه في العاصمة بغداد لعملية سرقة وُصفت بالكبيرة، تجاوزت قيمتها نصف مليار دينار عراقي (ما يزيد عن 382 ألف دولار).

ورغم أن تفاصيل الواقعة ما تزال غامضة، فإن دلالاتها تتجاوز حدود المبلغ المسروق، لتعيد إلى الأذهان واحدة من أخطر قضايا الفساد في تاريخ البلاد الحديث: ما عُرف إعلاميًا بـ"سرقة القرن" التي هزّت العراق وكشفت تورط شخصيات سياسية ومالية نافذة في نهب 2.5 مليار دولار من المال العام، من المصرف ذاته.

بحسب مصدر مطلع، فإن ملابسات السرقة الأخيرة لم تتضح بعد، سواء من حيث طريقة التنفيذ أو الجهات التي تقف وراءها، أو حتى الكيفية التي جرى بها سحب هذه المبالغ دون أن تُرصد في وقتها. هذا الغموض لا يعكس فقط قصورًا في التحقيق الأولي، بل يسلط الضوء مجددًا على خلل بنيوي عميق في منظومة الرقابة والحوكمة داخل المؤسسات المالية الحكومية.

وإذا كانت قيمة المبلغ المسروق في هذه الحادثة أقل بكثير من 'سرقة القرن'، فإن خطورتها تكمن في رمزيتها وتوقيتها، فمصرف الرافدين، باعتباره أحد أعرق المصارف الحكومية في العراق، كان يفترض أن يكون نموذجًا للانضباط المالي، لا عنوانا متكررا للفضائح، غير أن تكرار الحوادث داخل المؤسسة نفسها يطرح تساؤلات حادة حول ما إذا كانت الإصلاحات المعلنة بعد الفضيحة الكبرى قد بقيت حبرًا على ورق.

ولم تكن حادثة 'سرقة القرن' مجرد عملية اختلاس عابرة، بل شكلت صدمة وطنية كشفت حجم التغلغل الذي بلغه الفساد داخل مفاصل الدولة، حيث أظهرت التحقيقات حينها تورط رؤوس كبيرة من سياسيين ورجال أعمال وشبكات نفوذ استغلت ثغرات النظام المالي وضعف الرقابة للاستيلاء على مليارات الدولارات. واليوم، ومع عودة الحديث عن سرقة جديدة من المصرف نفسه، يتعزز الانطباع لدى الرأي العام بأن جذور المشكلة لم تُقتلع، وأن بيئة الإفلات من العقاب ما تزال قائمة.

ووفق مصدر قالت وكالة شفق نيوز الكردية العراقية إنه مطلع، إن ما جرى يعكس ضعفًا في الإجراءات الرقابية والمتابعة الإدارية داخل الفرع المعني، وهو توصيف يتقاطع مع الانتقادات القديمة التي وُجهت إلى النظام المالي العراقي، حيث تعتمد العديد من المؤسسات على آليات تقليدية، وتفتقر إلى أنظمة تدقيق حديثة، فضلًا عن هشاشة الفصل بين الصلاحيات، ما يفتح الباب واسعًا أمام التلاعب والتواطؤ.

وتتجه الأنظار إلى الجهات الرقابية وعلى رأسها هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، وسط مطالبات بفتح تحقيق عاجل وشامل لا يقتصر على تحديد المنفذين المباشرين، بل يمتد إلى كشف أي شبكات تواطؤ محتملة داخل المصرف وخارجه. فالتجارب السابقة أثبتت أن الاكتفاء بإجراءات شكلية أو تحميل المسؤولية لموظفين صغار لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة.

كما تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الحوكمة المالية في المصارف الحكومية وإعادة النظر في آليات الرقابة الداخلية، وتفعيل أدوات المراقبة الإلكترونية، وربط العمليات المالية بأنظمة إنذار مبكر تمنع تمرير مبالغ كبيرة دون تدقيق فوري، فغياب هذه الأدوات لا يهدد المال العام فحسب، بل يقوّض الثقة المتآكلة أصلًا بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ولا يمكن التعامل مع سرقة مصرف الرافدين الأخيرة بوصفها حادثًا معزولا، بل يجب قراءتها ضمن سياق أوسع من الأزمات المتراكمة التي يعاني منها العراق في ملف الفساد، فهي تذكير صارخ بأن 'سرقة القرن' لم تكن استثناءً، بل نتيجة طبيعية لمنظومة مختلة ما تزال تنتج الاختلالات ذاتها. ومن دون إرادة سياسية حقيقية لمحاسبة المتورطين، كبارا كانوا أم صغارا، سيبقى المال العام عرضة للنهب، وستظل الفضائح تتكرر، بأرقام مختلفة، لكن بالمنطق ذاته.