سلطة السياسي على الديني في أزمة البيت الأرثوذكسي

القطيعة بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية مع نظيرتها الأوكرانية تبرز التداخل بين الديني والسياسي في أزمة باتت ترخي بظلالها على بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس وسائر أفريقيا.


انحياز الكنيسة الروسية لخط بوتين التوسعي يفجر أزمة داخل البيت الأرثوذكسي


كنائس بدأت في التكتل لمواجهة نفوذ الكنيسة الروسية بعيد احتلال روسيا لجزيرة القرم


الكنيسة الروسية تبتز وتهدد الكنائس التي اعترفت باستقلالية الكنيسة الأوكرانية

كشفت القطيعة بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية مع نظيرتها الأوكرانية التداخل بين الديني والسياسي في أزمة باتت ترخي بظلالها على بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس وسائر أفريقيا لغير الأقباط ولتخزل سلطة السياسي على الديني وحدود تمدده في سياقات التوظيف وحتى الابتزاز.

وهذا جزء من مشهد آخر لا يستبعد سلطة الديني على السياسي الذي يخترق جدران الكانئس إلى دوائر صناعة القرار والعكس بالعكس.

وتبرز هذه المعادلة والمفارقة في آن بالبعد الجغرافي وبالمآلات السياسية في وضعية بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس وسائر أفريقيا، التي لا ينتمي إليها الأقباط ويقتصر نفوذها على الجاليات المقيمة في مصر فقط.

ويتعلق الأمر بإعلان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قطع علاقاتها مع ثيودروس الثاني بطريرك الإسكندرية وأفريقيا لطائفة الروم الأرثوذكس بعد اعترافه بالكنيسة الأوكرانية المستقلة التي تعارضها موسكو.

وتجاوز الأمر مجرد الجدل القائم بسبب هذه القطيعة المعلنة إلى فتنة تتربص بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس وسائر أفريقيا بعد أن تعرضت لتهديدات وصلت حدّ الابتزاز حيث تتحرك الكنيسة الروسية لضم مئات الباباوات ورجال الدين الأفارقة التابعين للأولى إلى سلطتها، بعدما انقطعت العلاقات مع الكنيسة الأوكرانية منذ نحو عام.

وتعود الأزمة بين الكنيستين إلى خلاف برز قبل نحو عام حين اعترفت بطريركية الإسكندرية بكنيسة أوكرانيا المستقلة، ما دفع الكنيسة الروسية إلى مقاطعة بطريرك الإسكندرية البابا ثيودوروس الثاني وعدم ذكره في القداسات والمراسم الدينية داخل الكنيسة.

وأثيرت الأزمة مجددا حين أعلن نائب رئيس دائرة العلاقات الكنسية الخارجية بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية المطران ليونيد خلال حوار إذاعي حول وجود مئات من أبناء بطريركية الإسكندرية غير الموافقين على القرار، أن الكنيسة الروسية تدرس إمكانية ضمهم لولائها.

وقوبلت تلك التصريحات باستهجان من الأقباط الروم الأرثوذكس في مصر وأفريقيا، معتبرين أنها محاولة لزرع الفتنة وشق صفهم، مؤكدين على أن الأزمة سياسية وليست دينية.

وكان مطران الغربية وطنطا للروم الأرثوذكس المتحدث الرسمي باسم البطريركية الأنبا نيقولا قد نفى في تصريح لصحيفة العرب اللندنية، إصدار البطريركية بيانا حول الأزمة مع الكنيسة الروسية أو حتى محاولة ضم باباوات تابعين للبطريركية، موضحا أن ما تم تداوله لا يعبر عن الكنيسة، فهو مقال رأي نُشر في موقع 'الأرثوذكس تايم' في التاريخ ذاته الذي ترجمته فيه الكنيسة ونشرته على موقعها، مصحوبا برابط للمقال الأصلي، أي أنه لا يعبر سوى عن رأي كاتبه.

وقلل من أهمية الجدل القائم، مشيرا إلى أن الأمر لا يستحق الردّ وأن دوافعه معروفة فهو نتاج أزمة سياسية بين روسيا وأوكرانيا وعلى خلفية اعتراف بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس وسائر أفريقيا بالكنيسة في أوكرانيا.

الرئيس الروسي يحرص على حضور الفعاليات الدينية للكنيسة الروسية
الرئيس الروسي يحرص على حضور الفعاليات الدينية للكنيسة الروسية

وبحسب المصدر ذاته لم ينف الأنبا نيقولا تعرض الكنيسة لابتزاز من قبل الكنيسة الروسية، محملا الأخيرة المسؤولية عن ترجمة ذلك الخبر وإتاحته عبر موقعها وهو برأيه مؤشر على إقرار ضمنيّ بما ورد فيه، خصوصا أنه لم يُصطحب بتعقيب.

ومع أن بطريركية الروم الأرثوذكس إحدى بطريركتين للإسكندرية، إلا أنه لا سلطة لها على السواد الأعظم من الأقباط الذين يتبعون بطريركية الأقباط الأرثوذكس في الإسكندرية ويترأسها البابا تواضروس الثاني.

وكان بيان الكنيسة الروسية العام الماضي حول قطع علاقتها مع بطريركية الإسكندرية للروم أثار لغطا، وتداولت بعض وسائل الإعلام نبأ أن الكنيسة الروسية قطعت علاقتها مع نظيرتها المصرية، ما دفع الأخيرة إلى إصدار بيان نفي.

وشدد القس بولس على أن الكنيسة المصرية القبطية الأرثوذكسية لم تتورط في القضية المثارة بين الكنائس الأرثوذكسية حول كنيسة أوكرانيا وتربطها علاقات جيدة مع الكنيسة الروسية ويتم تبادل الزيارات بينهما.

وقال القس بولس حليم، إن قرار الكنيسة الروسية الخاص بقطع علاقاتها مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ليس له أساس من الصحة والقرار الصادر عن المجمع المقدس للكنيسة الروسية خاص بكنيسة الروم الأرثوذكس.

ولا يحجب كل ذلك بداية أزمة غير مرتبطة فقط بموقف الكنيسة الروسية من بطريركية الإسكندرية للروم بل قد تتفاقم لتطال كنيسة اليونان وكنيسة القسطنطينية بما يتضمنه من تهديدات غير مباشرة وقد سبقتا بطريركية الإسكندرية في الاعتراف باستقلال كنيسة أوكرانيا، ما يعزز سطوة السياسي على الديني.

الجدل القائم يسلط الضوء على دور الكنيسة الروسية وسلطتها ونفوذها على سائر الكنائس حتى بعد الحقبة السوفييتية التي استقلت فيها كل كنيسة بإدارتها

ويقول الكاتب القبطي جمال أسعد إن الأزمة سياسية ورد فعل الكنائس عليها مجرد انصياع لموقف الدول، بداية من موقف أوكرانيا التي استقلت عن الكنيسة الروسية انطلاقا من الشعور الوطني ومواجهة تدخلات موسكو في شؤون كييف، مضيفا للصحيفة اللندنية أن  "كنيسة القسطنطينية هي أول من اعترف باستقلال الكنيسة الأوكرانية وهو ما ينبع من موقف أنقرة الداعم لأوكرانيا في أزمتها مع موسكو، فالكنائس لا تحتاج إلى اعتراف من كنائس أخرى لتسيير استقلالها على عكس الدول التي تحتاج إلى اعتراف دولي بها عند استقلالها، لذا فالأمر برمته سياسي ولا يسري على العقيدة أو الاختلافات الدينية".

ويسلط الجدل القائم الضوء على دور الكنيسة الروسية وسلطتها ونفوذها على سائر الكنائس حتى بعد الحقبة السوفييتية التي استقلت فيها كل كنيسة بإدارتها، لكن ظلت العلاقات قائمة مع الكنيسة "المركزية" في موسكو، لكن بعد الأزمة التي تفجرت بين موسكو وكييف تحركت الكنائس في مواجهة سطوة الكنيسة الروسية.

وتتمتع الكنيسة الروسية بنفوذ واسع تعزز في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يبدي حرصا شديدا في حضور القداسات وكافة الاحتفالات الدينية، فيما بدا ناشطون يتذمرون من نفوذ متزايد للكنيسة في كافة مناحي الحياة، على الرغم من أن دستور روسيا يحض على العلمانية.

وكان لافتا في حدث استثنائي تعرض نشطاء روس خلال السنوات الماضية لمحاكمات بتهم المس بالمشاعر الدينية أو الإساءة للذات الإلهية. وتعد الكنيسة سندا رئيسيا في دعم سياسات بوتين وتعزيز شعبيته وطموحاته.

وفي دلالة واضحة على تداخل الديني بالسياسي، خرجت الأزمة الكنسية من داخل البيت الأرثوذكسي، نتيجة انحياز الكنيسة الروسية إلى بوتين وتدخلاته التي وصلت إلى حد ضم جزيرة القرم في عام 2014، وقررت الكنيسة الأوكرانية الانفصال عن الروسية في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2018.

وفي أوضح دليل على تأثير السياسي على الديني وتدخلاته يكفي استحضار مشهد يعود إلى عام 2015، حين تواجه باباوات الكنيسة الأوكرانية المستقلة والتي نشأت بعد استقلال أوكرانيا عام 1992 ولم يكن معترفا بها في ذلك الوقت من قبل كنائس أخرى والباباوات التابعين أو الموالين للكنيسة الروسية، في قرية بيتيتشا بغرب أوكرانيا.

ووصل الخلاف إلى حد التراشق والمشاجرات بين الجانبين حتى تمترس الباباوات الموالون لروسيا داخل إحدى الكنائس التي ارتفعت أصوات المواطنين الأوكرانيين وتصاعدت حركاتهم الاحتجاجية من أجل استقلالها عن الكنيسة الروسية.

ونتاجا لحرص الكنيسة الروسية على تعزيز مكانة بوتين وخطه السياسي التوسعي في أوكرانيا، تفاقمت الأزمة وخرجت من فضائها الجغرافي الضيق لتطال الكنيسة بطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس وسائر أفريقيا لغير الأقباط.