سينما الواقع تغفل منطق السبب والنتيجة في 'عائشة لا تستطيع الطيران'

العمل يحاول تجسيد معاناة اللجوء بواقعية قاسية، لكنه يفقد صدقه بسبب سرد مترهل وتكرار بلا ضرورة، بينما غياب السياق السياسي وتضخم اللقطات، يتعثر الفيلم في الوصول إلى عمق تجربته الإنسانية.

شارك فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران" للمخرج المصري مراد مصطفى في المسابقة الرسمية للدورة الـ22 من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش محققاً عرضه الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحاصداً إشادات واسعة رغم عرضه العالمي السابق في قسم "نظرة ما" بمهرجان كان، إلا أنه يثير نقاشات حول طوله المفرط الذي يتجاوز 120 دقيقة، وهذه المدة حقيقة تجعل الفيلم يفقد إيقاعه الدرامي ويطيل من معاناة المشاهد دون داعٍ.

تبرز متتاليات قصة عائشة (بوليانا سيمون)، الشابة السودانية اللاجئة التي تواجه استغلالاً يومياً في القاهرة، من خلال تصوير واقعية الشوارع بوحشيتها، بينما حاول بعض المشاهد إظهار رموز مثل طائر النعامة لتعبر عن قيود البطلة، لكن هذا المزج يبدو غير مترابط مع طريقة السرد التي اختارها المخرج فقسوة الشارع ووحشته جعلت مشهد النعامة مقحما وليس رمزا يمكن تفكيكه لمعرفة ما جدوى وجوده.

ويعتمد المخرج المصري أسلوباً إخراجياً يركز على البطء في الحوار والحركة ليعبر عن القهر النفسي للشخصيات خاصة عائشة، مع تصوير دقيق لشوارع القاهرة التي حولها إلى فضاء قاسٍ، إلا أن هذا الخيار يطيل من المدة الزمنية للفيلم بأسلوب غير مبرر ومتعب، بينما مشاهدة فيلم  يجب أن يركز على الإيجاز ليحافظ على تأثيرها العاطفي دون إغراق المشاهد في تفاصيل زائدة.

ويبرز الفيلم قضايا التمييز الطبقي والاستغلال الذي يواجهه اللاجئون السودانيون في مصر، من خلال مشاهد صادمة من العنف، لكن هذه العناصر تبدو مفرطة في بعض الأحيان،  لانها بكل بساطة خلقت شعوراً بالتكرار الذي يطيل الفيلم دون فائدة، بينما  الصورة السينمائية يجب أن تكون صادقة ومقتضبة في رسالتها المعبرة دون الوقوع في فخ الإيديولوجيا السطحية التي تحول الرسالة إلى دعاية مجانية.

 ويغيب عن الحكي السينمائي لهذا العمل السياق السياسي الجذري الذي كان سببا للجوء السوداني، مثل الحروب والتدخلات الدولية، رغم تركيزه على المعاناة اليومية، وهذا يجعل تكوين اللقطات يحاول طرح الأعراض دون الاشارة للأسباب، وهذا ايضا يغيب منطق السبب والنتيجة، ما سبب لجوء الشعب السوداني مثلا او السوري او الليبي او الأفارقة حتى؟

 ويفقد الفيلم الإيقاع الدرامي السريع الذي يميز الأعمال الناجحة، ويجنب الملل الناتج عن التطويل غير الضروري، خاصة في سينما المؤلف التي غالباً ما تغيب عنها الاختصار الفعال، كما أن جمهور المهرجان يعيش ضغط العروض المبرمجة بشكل مكثف.

ويفتقر الفيلم إلى الصدق الكامل في تصويره للواقع، كونه يحاول بث واقعية الشارع  بطريقة تجعل الصور أقل تعبيراً عن الحقيقة الإنسانية التي شردت ملايين الخلق في العالم العربي.

ويثير عموما طول أفلام سينما المؤلف، التي غالباً ما تتجاوز 100 دقيقة دون فائدة درامية إيجابية التلقي، إشكالية جوهرية حول الالتزام بالإيقاع السينمائي الفعال، لأن هذا الطول يحاول ان يبرز محاولة لإضفاء طابع جاد أو فني من خلال لقطات طويلة وبطيئة تتطلب جهداً إضافياً من الجمهور، كما في أعمال بعض المخرجين الذين يركزون على رؤيتهم الشخصية دون مراعاة لتركيز المشاهد، بينما ينسى العالم  ان الجمهور في المهرجانات مرهوناً بمشاهدة متعددة الأفلام يومياً، وبالتالي يفقد المتعة في ظل التكرار غير المبرر للمشاهد، بينما يقول المنطق أن تلتزم الأفلام بحد أقصى 90 دقيقة للحفاظ على الإثارة والكفاءة السردية دون إهدار الوقت.

وتبرز السطحية في معالجة المواضيع الاجتماعية مثل اللجوء، الاغتصاب، وحقوق النساء، أو الهجرة السرية في السينما المعاصرة، إشكالية عويصة تتعلق بتجنب الغوص في الأسباب الجذرية السياسية والأخلاقية، حينما تركز الأفلام غالباً على الأعراض السطحية كالمعاناة اليومية أو الدراما العاطفية دون استكشاف التدخلات الدولية أو الصراعات السياسية التي تسببت في اللجوء، أو الأنماط الأخلاقية والثقافية وراء الاغتصاب وهضم حقوق النساء، أو الفقر والفساد الذي يدفع للهجرة السرية، بينما في الحقيقة أن تحليل هذه الانواع من الأعمال يكشفها كتصدير لحقيقة مزيفة أو إيديولوجيا سطحية،  يغيب فيها منطق السبب والنتيجة لصالح سرد يتجنب الجدل السياسي والثقافي الذي يخلق تلك الأزمات التي يحاول صناع الافلام تبريرها لنا من خلال صور عقيمة تحسب عند البعض عميقة.