شاهد على الميراث

السكوت وتجاهل سرقة الميراث مرآة تفضح أقارب يبتسمون في وجهك ويطعنوك في ظهرك.

يكشف الوقوف على مأساة والدين بسيطين، جُرِّدا من ميراثهما، عن حجم الفجوة بين القيم التي نُرددها في خطبنا وأحاديثنا اليومية، وبين الواقع العملي الذي يُدار فيه الظلم باسم القرابة والعرف، إذ لا يتعلق الأمر بقضية عائلية معزولة، وإنما بمشهد اجتماعي متكرر، يؤشر إلى خلل بنيوي في الضمير الجمعي.

ويتجاسر الأقرباء، من إخوة وأخوات، على أكل الحقوق، ويستغلّون جهل الوالدين وأميتهم بلا رحمة، مستندين إلى صمتٍ مريب من المجتمع، وإلى أعراف تبرّر القسوة بحجج الاستحقاق أو القوة أو فهم اللعبة، وبهذا يتحول الميراث من رابط للرحم إلى مسرح للنهب العائلي المشرعن.

يموت الوالدان، ويموت معهما شعور بالكرامة لم يُنصف، وحق لم يُسترد، وتُدفن المأساة في القبور، بينما تُنقل الثروات إلى أيدٍ لا تستحق، ويتقاسمها الأبناء والعائلة من بعدهم كأن شيئًا لم يكن. وهنا نتسائل هل مالك حلال إذا إختلط بدرهم حرام؟

ويتهاون بعض الأبناء في رفض هذا الظلم، ويقفون على حافة الجريمة، إما بشراكة مباشرة أو بسكوت مُخزٍ. لا يكفي أن نقول "لم أكن أعلم"، أو "الأمر تم قبلي"، فالميراث المسروق ليس ميراثًا، إنه لعنة تتوارثها الأجيال، وسيف أخلاقي يعلّق في رقابهم إلى يوم الحساب.

ويتمادى الظالمون في مخططاتهم، فيُزيّفون الوثائق، ويُلبسون النهب لباس القانون، ويرفعون رؤوسهم في المجالس كأنهم أبطال. لكنّ العاقبة ليست في العقود الموقعة ولا في الورثة الصامتين، بل في الحقيقة التي لا تسقط بالتقادم: حقٌ أُكل، ووالدٌ أو والدة ظلموا في ذلٍّ وصمت.

ويفرض الوعي والبر الحقيقي أن يُترك هذا الميراث شاهدًا إلى يوم القيامة، لا نصيبًا، وأن يمتنع الابن الشريف عن لمس درهمٍ واحد منه، وأن يقول للعالم: لا أشارك في ظلم والدتي، ولا أبارك نهب أبي، ولا أُدخِل بيتي مالًا ممزوجًا بالقهر. تلك ليست مثالية، كفطرة نقية ترفض أن تُلوَّث.

ويسكت المجتمع، أو يتواطأ، ويكتفي بعبارات سطحية عن تسامح العائلة وما فات مات، بينما الواقع أن الظلم لم يمت، وإنما تمدّد، واكتسب شرعية الصمت. ومتى صمت المجتمع عن حقوق الوالدين، فقد سلّم نفسه لمنطق الغنيمة، وأسقط عن نفسه آخر معاني الرحمة.

ويتطلّب الأمر وقفة صادقة. وأن نعيد تعريف معنى الميراث، ليس كحقّ مالي فقط،  كأمانة أخلاقية، واختبار لبرّ الأبناء، وكشف لجوهر العلاقات الأسرية. فمن نال ميراثًا يعلم أن فيه ظلما لوالديه، فليُلقه في وجه الظالم، وليجعل منه لافتة أخلاقية تقول: "هذا حقي في رد الشرف، لا في المال".

وتُنهي العدالة الربانية كل هذه الفصول في محكمة لا تقبل المحاباة. هناك، لا تُقبل حيلة، ولا تُخفى خيانة، ولا يسقط حق. وما دام في القلب بقية حياء، فليُترك الميراث شاهدًا إلى يوم يبعثون ولتُحفظ كرامة من ماتوا، ولو بعد موتهم، بالصمت النبيل. وما عند الله خيرٌ وأبقى.