شعوب شطبت عشر سنوات من عمرها

في تونس وليبيا واليمن رحل الزعماء وصمد الأسد في سوريا. في كل الأحوال كان الشعب هو الضحية.


هناك دولة خامسة نجت من فوضى الربيع العربي بطريقة صدمت العالم تلك هي مصر


في كل الأحوال كان الشعب هو الضحية في الدول التي شهدت ثورات

منذ عشر سنوات طوت تونس صفحة نظام زين العابدين بن علي. إلى جوارها طوت ليبيا صفحة العقيد معمر القذافي. في الفضاء العربي نفسه ذهب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح إلى جوار بن علي والقذافي. اما في سوريا فقد طوت العشر سنوات الماضية صفحة الشعب فيما لا يزال النظام قائما. أبى بشار الأسد أن يلتحق بضحايا الربيع العربي.

في كل الأحوال كان الشعب هو الضحية. لم يهنأ أحد باختفاء الرؤساء الثلاثة أو ببقاء الرئيس الرابع. لقد جُرت الشعوب الأربعة إلى الفوضى بطرق مختلفة. هناك دولة خامسة نجت من فوضى الربيع العربي بطريقة صدمت العالم تلك هي مصر. ما كان يُقال عن موقف الشعب المصري الرافض لحكم الاخوان سيجني الكثير من المصداقية إذا ما تمت المقارنة بين أحوال الشعب المصري وأحوال شعوب الدول الأربع.

فبالرغم من شعارات المظلومية التي ترفعها جماعة الاخوان المسلمين وتركيزها على ما يتعرض له أفرادها الباقون في مصر من سجن وتضييق ومطاردة فإن ذلك إن كان حقيقيا انما يشكل نوعا من الحماية للشعب من أية فوضى محتملة. فلو كانت الجماعة المحظورة والمتهمة بالارهاب حرة في ما تفعل لساءت الامور في بلد المئة مليون نسمة بطريقة لا يمكن تخيلها ولعمت الفوضى المصرية المنطقة كلها. فليست مصر بلدا صغيرا لكي يتم التحكم بفوضاه عن بعد.

اليوم إذ ينهي الليبيون حروبهم ويستعدون لإقامة الدولة المستقرة بخطوات واثقة بسبب دعم المجتمع الدولي في الكثير من الملفات الملغومة فإنهم حين يلتفتون إلى المسافة الزمنية التي تفصلهم عن عصر الاخ العقيد لا يرون شيئا يستحق النظر. لقد استخفوا بأنفسهم وعرضوها لسخرية الآخرين الذين استخفوا بهم وتركوهم يلقون بأنفسهم إلى محرقة لا تضيء نارها مكانا يستحق أن يكون ملهما لذكريات بطولية.

لقد أحرق الليبيون أيامهم كما لو أنهم كانوا يدخنون.

وما اليمن بأحسن حال من ليبيا. فقد شاء الرئيس المخلوع أن ينتقم من الشعب الذي خرج محتجا على محاولته الاستيلاء على النظام الجمهوري وحصره في عائلته باعتباره إرثا. حين اتفق علي عبدالله صالح مع الحوثيين فتح على اليمن باب الجحيم الإيراني فكان الربيع اليمني هو الاسم المضلل لذلك الجحيم الذي يود اليمنيون لو أنهم غادروه بأية طريقة من الطرق من اجل أن ينتهي كابوس السنوات العشر.   

اما سوريا فلم تبق السنوات العشر الماضية منها شيئا. حتى بشار الأسد الذي يُسر لأنه لا يزال يجلس على كرسي الحكم حيا فإنه لو أمعن النظر في المرآة لرأى رجلا آخر هو الشاب الذي كأنه قبل عشر سنوات ولمحا تلك السنوات من لوح العمر. لقد أدخله القدر في حروب مضنية خرج منها ملوث السمعة وعاجز عن التفكير في أحلام السوريين البسطاء المتواضعة. فإذا كان الرئيس ينظر بأسى إلى سنواته العشر الماضية فما الذي يمكن أن نقوله عن شعب قضى تلك السنوات بين مخيمات اللجوء والنزوح في ذل، سبق له وأن ضحى من أجل أن لا يتعرض له الآخرون الذين لجئوا إليه واحتضنهم.  

وبالرغم من أن الفوضى في تونس كانت لا تقع بطريقة علنية إلا على مستوى الطبقة السياسية الحاكمة فإن تداعياتها انعكست سلبا على أوضاع الشعب المعيشية كما أن الوضع الأمني المتردي أدى إلى انقطاعات مميتة في مجال السياحة الذي يعد العصب الرئيس للاقتصاد السياحي. ولو عرفنا أن حركة النهضة التي أدارت البلد عبر السنوات العشر الماضية لم تكن راضية عن مستوى ونوع تفاعل الشعب التونسي مع مبادئها الاخوانية لأدركنا أن الفوضى التي عاشها المجتمع التونسي كانت عبارة عن حرب مستترة لن تنتهي إلا عن طريق حرب معلنة يشنها الشعب على حركة النهضة.  

الامر صعب بالنسبة للتونسي، حين يلتفت إلى السنوات العشر الماضية التي كان من الممكن أن تكون سنوات خضراء لثورة الياسمين لا يرى غير الخواء ولا تقبض يده إلا على هواء. شعب ضائع ودولة مفلسة وما من أمل في أن تستعيد دولة الزيتون مهارتها في إدارة ثرواتها التي تقف بينها وبين الفقر الذي هو نوع من الشؤم الذي حل باعتباره علامة تجارية اخوانية.

عشر سنوات مرت على ليبيا واليمن وسوريا وتونس كما لو أنها ليست جزءا من الزمن. لقد فلتت كل لحظة من تلك السنوات من التاريخ. إنها لا شيء. كل ما حدث فيها عبارة عن هراء لا يمكن الاعتزاز بأي شيء منه. إنه زمن الخواء الذي يستحق أن يُشطب من التاريخ.