شهوة الكلام ثقافة عربية خالصة

ليس لنا الحق في أن نقول كل شيء عن أي شيء، دون علم وخبرة ودراسة ووعي وفهْم لما يُراد الحديث عنه، أو التباحث فيه. 


الاستبداد السياسي والاجتماعي ربما يكون له أثر كبير في تنامي شهوة الكلام


المجتمعات العربية مجتمعات مهووسة باللغة والاشتغال عليها من حيث التركيب والمعنى


تعطيل مشاريع التحضر والتقدم بهدف خدمة الإنسان والحفاظ على كرامته

لست باحثًا اجتماعيًّا، ولا ناقدًا ثقافيًّا، لكني مارستُ شهوة الكلام، واقعًا تحت سُلطة الذهنية البدوية التي تُمجد القول والحكايات وانتقاد الآخرين، وتمجد الذات في زمن التصحر الثقافي، العاجز عن تبني آراء عامة، أو صناعتها، وكذلك أي مشاريع ثقافية تساهم في بيان السمات الروحية والفكرية، التي تميز المجتمع الذي أعيش فيه. 
هذا ما يقوله الراحل غرم الله حمدان الصقاعي في كتابه "شهوة الكلام.. الذهنية البدوية والتصحر الثقافي" الصادر عن دار أروقة للدراسات والترجمة والنشر. 
الصقاعي بعد أن يفتتح كتابه بمقولة لـ رسول حمزاتوف يقول فيها: "البعض يُكثر من الكلام، لا لكثرة الأفكار، بل لأن هناك حَكّة في طرف لسانه"، يتمنى أن ندرك أنه ليس لنا الحق في أن نقول كل شيء عن أي شيء، دون علم وخبرة ودراسة ووعي وفهْم لما يُراد الحديث عنه، أو التباحث فيه. 
بعد ذلك يتساءل كيف بنا ونحن نناقش قضايا اجتماعية لها أسبابها ونتائجها المعرفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ومع هذا نقول كل شيء في أي شيء دون أن ننتهي إلى شيء! 

كتاب ذو قيمة فكرية كبيرة، يصلح لأن يقرأ كل يوم، خاصة ونحن لا نزال، كأمة عربية، لا نجيد سوى الكلام

تنامي شهوة الكلام
الصقاعي يرى أن الاستبداد السياسي والاجتماعي ربما يكون له أثر كبير في تنامي شهوة الكلام، ومع ذلك يظل، لدى المجتمع، العجزُ الكبير عن الإيمان بالثقافة والاشتغال عليها كَهَمٍّ إنساني عام، يقوم على التعدد والتنوع والاختلاف، هو السر في هذا التصحر الثقافي، ما أنتج مقلدين للماضي أو للغرب، يعيشون في صراع دائم ومستمر على الأفضلية المزعومة، بعيدًا عن القيم الإنسانية العليا، وإنتاج المعرفة النافعة لمشاركة العالم ثورته العلمية والثقافية.
ويضيف الصقاعي قائلًا إن هذه هي الأزمة التي تمر بها الكلمة عندنا، بحيث أصبحت حقًّا مشاعًا للجميع، يقولون ما يشتهون دون رقيب، ودون تأنيب للضمير، بعد أن أصبحت شهوة الكلام ثقافة عربية خالصة، تقوم على الكلام وليس غيره.
الصقاعي يرى أن شهوة الكلام كانت في ما مضى نتيجة للأمية والجهل، باعتبار الكلام الوسيلة الأُم لإيصال الرسائل، للحفظ وتواتر النقل، ورغم أننا دخلنا إلى عصر التعليم والكتابة، لكن ليس هناك تغيير كبير يُذكر، إذ بقى الكلام هو المُنتَج الشاهد لكل فعل ثقافي، وذلك من خلال المنابر، وهذا ما صنع شهوة الكلام عند الجميع، لقد بتنا نجد الكل ينتقد ويتحدث في كل علم، وكل فن، بغير علم، يتحدثون لإثبات الحضور والمشاركة فقط، وفي هذا تظهر رغبة الجميع في الكلام. 
من هنا يؤكد الصقاعي على أن المجتمعات العربية عبر تاريخها الطويل هي مجتمعات مهووسة باللغة والاشتغال عليها من حيث التركيب والمعنى، والشعر كوعاء يحفظها ويساعد على توارثها من جيل إلى جيل، ومن هنا جاء اهتمام هذه المجتمعات بميلاد الشعراء، الذين تُمجد من خلالهم الكلام. 
وفي السياق نفسه يؤكد الصقاعي أنه ليس ضد الإيمان بسلطة المجتمع والاحتكام إلى أعرافه التي يمكن لها أن تحافظ على مستوى القيَم، لكنه ضد كل مشروع كان ومن أي جهة كانت، يسعى إلى تعطيل مشاريع التحضر والتقدم بهدف خدمة الإنسان والحفاظ على كرامته، وليس هناك كرامة في هذا العصر إلا للمتعلمين وللمبدعين المنتجين الذين يقودون العالم بابتكاراتهم واختراعاتهم، وليس بقصائدهم وخيولهم، وأساطير يرون فيها النجاة من الغرق.
الذهنية البدوية
الصقاعي يقول إن مفكرين كثيرين يعتقدون أن وسائل الاتصال الحديثة ساهمت كثيرًا في تنامي حرية البوح والكتابة والقول، دون تأثير معرفي أو قِيَمي، لكنها سهلت لذلك وتركت الأبواب مُشرَعة للقول، ولعلّ ما يحدث في قنواتنا الفضائية من تصارع وتصادم وضجيج، خير دليل على شهوة الكلام. 

وعن الذهنية البدوية يقول الصقاعي إنها ذهنية مُستلَبة، أيًّا كان المُستلب معنويًّا أو ماديًّا، فهي تخضع لسلطات متعددة من الأعراف والعادات والتقاليد، كما أنها تخضع لسلطات متعددة من الأفراد أيضًا، ويأتي ذلك نتيجة للاتكالية والكذب على الذات والخوف من المسئولية.  
ومن أهم سمات هذه الذهنية يذكر الصقاعي سرعة ردة الفعل للمثير استجابةً لفهمها لمعاني النخوة والشهامة ولعصبيتها التي تؤمن كثيرًا بالفئوية والقبلية والحزبية، فهي إرث مستمد من الحياة التي كان يعيشها الناس هنا كبدو رُحّل، أو قرى صغيرة متناثرة في الجزيرة العربية، لا تربطهم بالمدَنيّة والحضارة روابط معرفية أو أخلاقية.
خلاصة القول أن الصقاعي يرى أن شهوة الكلام هي غريزة إنسانية تجعل الإنسان يتخلى عن العقل غالبًا ليحتكم إلى عواطفه في إصدار أحكامه أو بيان مواقفه مستخدمًا اللغة، منطوقة أو مكتوبة، سلاحًا للوصول إلى المشاركة في المختلَف عليه دون وعي أو علم، ولكن بهدف المشاركة وإثبات أنه حي يتنفس كلامًا ويشتهي أن يبقى في دائرة الضوء من خلال الكلام فقط. 
وهذا ما يسميه المؤلف بثقافة "قلتم ونقول" التي يوجد فيها كل تعصب وتشنج يُشخّص واقعًا ثقافيًّا يميل إلى الجدال وليس الحوار، وإلى الخلاف وليس الاختلاف، وإلى العداوة والانقسام وليس الحب والاكتمال. كما يصف الجميع بأنهم قبيلة قولية لا يختلف فيها من اعتلوا منابر المساجد عمن احتلوا أعمدة الصحف ومنابر المؤسسات الثقافية، في الاهتمام بالكلام تقودهم شهوة الكلام ويغيب عنهم جميعًا العمل أو السلوك الفعلي الذي هو أكثر أثرًا في الناس وفي تسيير دفة المجتمع. 
وأخيرًا يقول الصقاعي إن الانغلاق الفكري الذي يعيشه المجتمع محتكمًا إلى الماضي بذهنية، أقل ما يقال عنها إنها ثابتة وجامدة، لا تؤمن بالتحول والتطور، لهو جريمة كبيرة يمارسها المجتمع في حق نفسه والحياة معًا. 
وبعد.. هذا كتاب ليس من تلك الكتب التي نتنفس الصعداء ونحن نضعه في مكان لا توضع فيه إلا الكتب التي لن نعود إليها مرة أخرى، بل هو كتاب ذو قيمة فكرية كبيرة، يصلح لأن يقرأ كل يوم، خاصة ونحن لا نزال، كأمة عربية، لا نجيد سوى الكلام، متحدثين عن أمجاد السابقين وآثارهم الخارقة، فيما لا نذكر لنا، نحن المُحْدَثين، أي إنجاز يُذكر، اللهم إلا أن نستهلك ونستخدم كل ما ينتجه الغرب لنا من وسائل وأدوات تكنولوجية، متباهين أننا نصنع كل ذلك بأموالنا!