صحيفة ورقية محصنة من داء التكنوفوبيا


مصطلح تكنوفوبيا الذي يعني في واحد من تعريفاته الصحف التي تعاني كسادا ورقيا، لا يمكن أن ينطبق على فاينانشيال تايمز البريطانية التي تقدم محتواها بثقة متصاعدة من قبل القراء.


كبار رجال السياسة والأعمال يعدون أنفسهم في قائمة الجهلاء إن لم يكونوا من بين قراء فايننشال تايمز

مع أن كل صحف العالم تدعي بأنها تساير العصر الرقمي وتعمل بكل ما أوتيت من أفكار إلى تقديم محتواها بطرق تكنولوجية تناسب رغبات المستخدمين، لكنها لا تستطيع الزعم بعدم إصابتها بـ“التكنوفوبيا”! فهو مصطلح يعّرف مرض العصر الصحافي منذ أن أدخلت الصحف الورقية إلى السوق المريضة، ولم تغادر ذلك السوق أي صحيفة متعافية، في وقت يشهد دخول المزيد منها، بينما أخرجت بعضها كجثث ورقية لتوضع في رفوف الأرشيف بعد توقف إصدارها.

صحيفة واحدة تستطيع أن تعلن بغرور على درجة من الاعتبار بأنها لم تصب بمرض العصر الورقي، وأن الصحافة التي عهدناها لم تنته بعد، فصحيفة فايننشال تايمز البريطانية أقوى من التكنوفوبيا، يكفيها فخرا أنها بدأت تتخطى رقم مليون مشترك يوميا، منذ أسبوعين. كان هذا الخبر الجيد الوحيد الذي تم تداوله بين البريطانيين وسط جملة من الأخبار السيئة عن مصير بريطانيا المعلق بذيل بريكست.

أرى أن مصطلح تكنوفوبيا الذي يعني في واحد من تعريفاته الصحف التي تعاني كسادا ورقيا، لا يمكن أن ينطبق على هذه الصحيفة البريطانية التي تقدم محتواها بثقة متصاعدة من قبل القراء.

يكفي أن نقول إن كبار رجال السياسة والأعمال في بريطانيا، يعدون أنفسهم في قائمة الجهلاء أو قليلي النظر إن لم يكونوا من بين قراء فايننشال تايمز، فماذا يمكن أن نقول بعد ذلك عن القراء المخلصين، بعد أن وصلوا إلى مليون مشترك. هذا الأمر يؤكد أن وسائل إعلام النخبة التي تُباع إلى الليبراليين في لندن تزدهر في هذه الحقبة المعادية للنخبوية.

يمكن أن نعزو كل ذلك إلى جدارة المحتوى، فالصحيفة لا تكرر نفسها، وكتابها ليسوا ممن يجترئون الأفكار المعهودة، ولا يكررون ما كتبوه سابقا، إنهم يتجددون في كل عمود أو حوار، وهذا سبب كاف يجعل من الصحافة معافاة من طريق السوق المريضة.

يقول سايمون كوبر أحد أهم كتاب فايننشال تايمز “يعتقد كثير من النقاد أن معاداتنا للشعبوية يتم تنسيقها من الإدارة العُليا. غالباً ما يُخبرني القرّاء أن رئيس تحرير صحيفة فايننشال تايمز، أو مالكتها مجموعة الإعلام اليابانية نيكاي، يطلبون مني معارضة البريكست”.

ويجيب على هذا الاعتقاد بالقول: “في الواقع، أنا قمت بذلك بنفسي، ويغلب على ظني أن الآخرين فعلوا ذلك أيضاً. ليس بالأمر الكبير أننا من الليبراليين الأيديولوجيين الملتزمين. لذلك أثارت الصحيفة عداء القرّاء الذين يدعمون الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبريكست”.

وعندما سقطت ألمع محررات الرأي في الصحيفة من دراجتها الهوائية ووصلت بعد يوم إلى الجريدة وذراعها معلقة على حمالة الكتف، تألم زملاؤها في الصحيفة من هذا الأمر المزعج بكونها غير محظوظة في سقوطها المتكرر من الدراجة الهوائية، لأنها لا تستطيع حتى كتابة مقال جديد عن الحادثة، فقد سبق وأن كتبت واحدا عندما سقطت من دراجتها العام الماضي.

لقد قضت لوسي كيلاوي ربع قرن من النجاح في فايننشال تايمز البريطانية، وفضلت أن تختار قبل عامين طريقا آخر في محاولة لإعادة استثمار الطاقة الكامنة في أفكارها والعمل كمُدرسة رياضيات، وبعدها لن تكون مضطرة إلى كتابة مقال أسبوعي على سبيل المثال.

كيلاوي مدرسة رياضيات اليوم، وتكتب مقالات في أوقات متباعدة بصحيفتها المرموقة، مجسدة لنا الفكرة الأهم في الكتابة المستمدة من صناعة الأفكار الجديدة وليس تكرارها. بعد أن عاشت واحدة من أجمل الوظائف في الصحافة من خلال كتابة عمود لمدة 22 عاما، هي تحب ذلك لكنها لا تريد قضاء حياتها بفعل الشيء نفسه!

هذا أحد الدروس التي يقدمها كتاب صحيفة فايننشال تايمز يوميا، يجعل القراء يحتفلون معهم بعد أن وصل المشتركون في الجريدة إلى مليون قارئ، الرقم الأكبر في تاريخها منذ 131 عاماً. علينا أن نحسب في أقل اعتبار أن صحيفة ورقية تجمع مليون دولار يوميا من الاشتراكات، فعن أي أزمة محتوى أو توزيع نتحدث!! هذا السبب كاف كي يجعلنا نقول إن هذه الصحيفة لم تصب بالتكنوفوبيا.

سبق وأن اعترفت كيلاوي بأنها ليست مبتكرة “تأمل أنها تتحدث عن نفسها كصحافية!!” وتقول “ولا حتى أكثر زملائي، فايننشال تايمز توظف الناس الأذكياء الذين يعرفون كيفية اكتشاف المواضيع المهمة وكتابتها بشكل رائع، وإعطاء القراء المزيج الصحيح مما هو مألوف ومدهش، الخبرة والمعرفة والممارسة والقدرة على الحكم والمهارة والذكاء كلها أمور تلعب دورا، كذلك تفعل القدرة على الكتابة، والقدرة على التفكير، الابتكار بالكاد يأتي إلى هذه المؤسسة، هذا ليس إهانة لفايننشال تايمز، بل هو مديح لها”.

لدي مثال آخر من هذه الصحيفة يجعلنا سعداء ونحن نحتفل معها ببلوغ مليون مشترك، فقد استضافت قبل عامين في مقرها على الضفة الجنوبية لنهر التايمز الروبوت بيبر في دعوة لمأدبة غداء، لم تكن هيئة تحرير الصحيفة المعتادة على الزوار المثيرين للإعجاب، تفكر إلا إنسانيا بهذا الزائر الذي وصلهم مغلفا، وليس للاستحواذ على مكاتبهم وإحالتهم على التقاعد!

يقترح أندرو هيل أحد محرري فايننشال تايمز بعد أن جالس الروبوت بيبر على طاولة الطعام مع أنه لم يتناول حبة بازلاء واحدة، بالقول علينا ألّا نهمل التفكير في كيف نجعل من التكنولوجيا خارطة للطريق وليس الطريق بحدّ ذاته. ويقترح الإجابة بوصفه صحافيا، عما إذا كانت كبرى الشركات في المستقبل قادرة على تحقيق هذا المستوى من الحكمة عندما تتولى الروبوتات المهام التي تسمح لها ببناء وصقل خبرات العاملين.

ويتحدى أن يؤتى بأذكى إنسان آلي ليرى بعدها إن كان ما تنتجه تكنولوجيا “البصائر الآلية” يرقى إلى ما كتبه في تحليل الأخبار مثلا.

فايننشال تايمز تزدهر واحتفل محرروها المفعمون بالإثارة بتسجيل مليون مشترك بالصحيفة قبل سنة واحدة من الموعد المحدد لخطة إدارة التحرير. في حين تعيش غالبية الصحف في العالم بتراجع مخيف في عدد القراء.

والذين يتابعون هذه الصحيفة اليومية لا يشعرون بالمفاجأة من هذا الإنجاز، لأن إدارتها عملت على إستراتيجية مزدوجة وناجحة، تتلخص في الريادة بالابتكار عبر الإنترنت مع بناء علامة تجارية عالمية، لذلك يعد تأمين مليون مشترك إنجازا رائعا للصحافة الورقية، يصفه جون ريدن الرئيس التنفيذي بـ“لحظة تاريخية” ويقول “الصحافة الجيدة هي نشاط تجاري متطور. جوهرنا هو إيماننا بالقيمة الدائمة للتقارير المستقلة والموثوقة في عصر الأخبار المزيفة”.