صعوبة التعايش بين الأديان في 'جزيرة الغفران' التونسي

الفيلم الجديد للمخرج رضا الباهي يحمل إسقاطات على الواقع الحالي في تونس بعد الربيع العربي، ويدور حول محاولة اجبار 'داريو' على اعتناق الاسلام.


رجال دين يحرضون على قتل اليهود في تونس


جزيرة جربة صورة مصغرة عن تونس المتسامحة


أفلام رضا الباهي تتمحور حول الآخر


'زهرة حلب' من أهم أعمال المخرج التونسي


أقدم معبد يهودي بافريقيا في جربة

تونس – يعبّر المخرج التونسي رضا الباهي في فيلم "جزيرة الغفران" الذي بدأ تصوير أولى مشاهده في جزيرة جربة في جنوب شرق تونس نهاية نيسان/أبريل، عن حنين لمشهد ديني يسوده التعايش السلمي الذي ميّز بالماضي المجتمع التونسي.
وتشارك في الفيلم الممثلة الإيطالية كلوديا كاردينالي، ويستمر تصويره في جربة حتى 25 أيار/مايو، وهو يحمل إسقاطات على الواقع الحالي في تونس ودول عربية أخرى، بعد "الربيع العربي" الذي أدّى، باستثناء تونس، الى حروب أو فوضى وبروز مجموعات إسلامية متطرفة.
ويوضح رضا الباهي أن الفيلم يقدّم من خلال قصة عائلة مسيحية، تونس في خمسينات القرن الماضي "بكل خصوصياتها وتفاصيلها المبهرة، من أبرزها حالة التعايش والانصهار في المجتمع التونسي التي عاشها أتباع الديانات في تلك الفترة".
ويضيف المخرج "في هذا العمل الجديد حنين لتونس الجميلة وتوق ضمني لمستقبل هادىء خال من الصراعات والتعصب".
و"جزيرة الغفران" فيلم من إنتاج تونسي لبناني يكتسب أهمية في تونس التي تعتبر من أكثر دول العالم العربي انفتاحا ، لكنها في الوقت نفسه الأكثر تصديرا للمقاتلين المتشددين الى صفوف تنظيم الدولة لاسلامية في سوريا والعراق وليبيا في السنوات الأخيرة وفقا لتقارير أممية.
ويتناول العمل السينمائي الجديد قصة كاتب تونسي إيطالي يدعى أندريا يقرّر العودة الى جزيرة جربة بعد غياب استمر حوالى ستين عاما لنثر رماد جثة والدته عملا بوصيتها.
وفي مسقط رأسه، يحاول إعادة تشكيل الصور والذكريات التي طبعت طفولته من خلال العلاقة مع سكان المدينة.
ويستحضر أندريا الحادث الذي تعرض له والده داريو، صيّاد الإسفنج، وكيف هبّ سكان الجزيرة على اختلاف معتقداتهم الدينية لمساعدته.
في المقابل، تستغل مجموعة إسلامية متطرفة حالة داريو الصحية "لإجباره" على اعتناق الاسلام، فتلقى معارضة من الشيخ ابراهيم. وتدور غالبية المشاهد داخل حانة قديمة تديرها عائلة أندريا وسط أجواء مرحة وهادئة.

ويرصد الفيلم الكثير من الأحداث السياسية التي عاشتها تونس منتصف القرن الماضي والنضال ضد المستعمر الفرنسي (1881-1956).
وتقول كلوديا كردينالي التي تلعب دور الجدة غوستينا "أحببت كثيرا السيناريو، يذكرني بطفولتي حيث كانت كل الطوائف الدينية تتشارك الأعياد".
وولدت كاردينالي (81 عاما) في تونس التي شهدت بداياتها السينمائية، وسبق لها أن صورت في هذا البلد أربعة أفلام أخرى.
وتقول كردينالي التي تشغل منصب سفيرة "يونسكو" للنوايا الحسنة منذ العام 2000، "مهم جدا طرح موضوع قبول الآخر سواء كان عربيا أو أوروبيا، مسيحيا أو يهوديا أو مسلما، فجميعنا واحد".
وتضيف "التعددية الدينية عامل إثراء حضاري وليس مدعاة للصراع".
كذلك، يشارك في بطولة الفيلم ممثلون آخرون من إيطاليا وتونس ولبنان بينهم التونسيان علي بن نور وباديس الباهي واللبناني حسان مراد.
ويرى بن نور أن مشاركة ممثلين من جنسيات مختلفة "يتماشى وجوهر موضوع" الفيلم الذي يجمع بين الكوميديا والتراجيديا، واستغرقت مدة كتابته حوالى سنتين، على أن يعرض في 2020.
وعلّل المخرج التونسي اختيار جزيرة جربة "لتنوع سكانها وتعدد انتماءاتهم ودياناتهم من يهود ومسيحيين ومسلمين"، مضيفا "هي صورة مصغرة عن تونس المتسامحة".
وتضم جربة أكثر من 350 مسجدا شيدته العائلات الإباضية منذ دخول الإسلام الى الجزيرة. ويحظى كنيس الغريبة الذي ترقد فيه، بحسب رواية متناقلة، واحدة من أقدم نسخ التوراة في العالم، بمكانة خاصة عند يهود تونس ودول أخرى، باعتباره أقدم معبد يهودي في إفريقيا. ويحج اليهود إليه منذ أكثر من مئتي عام، بحسب رئيس الكنيس بيريز الطرابلسي.
غير أن جزيرة جربة لم تكن بمنأى عن الاعتداءات والخطاب المتطرف. فقد تعرض الكنيس في نيسان/ابريل 2002، لهجوم انتحاري بشاحنة مفخخة تبناه تنظيم القاعدة، وأسفر عن مقتل 21 شخصا بينهم 16 سائحا.
وبعد 2011، نقلت وسائل الإعلام مرارا تحريضا علنيا على قتل اليهود في تونس صادرا عن رجال دين مسلمين خصوصا.
ويعيش في تونس اليوم نحو 1200 يهودي يتركز أغلبهم في جزيرة جربة، وخصوصا في منطقة الحارة الكبيرة.
وقبل استقلال البلاد سنة 1956، كان في تونس أكثر من مئة ألف يهودي غادروا على مراحل، نحو أوروبا أو إسرائيل في ظل الصراع العربي الاسرائيلي.
ويشير رضا الباهي الى أنه "يكفي أن نستحضر الذكريات المشتركة ونغوص في تونس الجميلة لنعي قتامة الأوضاع الحالية".
وتعتبر تونس، مهد الربيع العربي، الدولة الوحيدة الناجية من تداعياته، لكنها شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعدا في نشاط الحركات الجهادية المسلحة التي نفذت هجمات دامية استهدفت قوات الشرطة والجيش والسياح الأجانب، وخلفت عشرات القتلى.
واختار المخرج التونسي نزلا مهجورا صوّر فيه غالبية مشاهد الفيلم "دلالة على أن الأمور ليست على ما يرام وأن هناك مشاكل بيئية واقتصادية واجتماعية" في تونس اليوم، بحسب قوله.
وردا عن سؤال عما إذا كانت السينما قادرة على تغيير الواقع، يكتفي الممثل الشاب باديس الباهي بالقول "الرسالة التي يحملها الفيلم قوية جدا… لكن هل سيغير الفيلم شيئا ما؟ لا أدري. لننتظر ونرَى".
ويأتي فيلم "جزيرة الغفران" ضمن 11 فيلما آخر أخرجها رضا الباهي تتمحور حول "الآخر"، وهي مسائل تشغل المخرج من أهمها "زهرة حلب" الذي يروي مأساة أم استقطب جهاديون ابنها وأرسلوه للقتال في سوريا، و"السنون لا تموت في القدس" حول الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
ويؤكد الباهي أن السينما تبقى "إثبات وجود وتحدّيا ومكسبا" في تونس، آسفا لرفض وزارة الثقافة التونسية تقديم دعم مادي للفيلم.