صلاح ريكاني بين الإبلاغ والرموز

الطاقة الكامنة في دواخل الفنان على أهبة الإنفجار مع استيعاب انحباس تموضعاته وطروحاته في مسارات اللون ومخارجها.


الفنان العراقي‏ في جمالياته البصرية يحمل خصوصية ذاتية وبحثية


قراءات تداولية جديدة بوعي معرفي

قبل الدخول إلى العالم الإبداعي لصلاح الدين محي الدين ياسين أو لصلاح ريكاني (1963) الاسم الذي به يعرف في الوسط الفني، وقبل أن نتصفح أعماله ومهارته فيها، وقبل أن نقرأها بلغتنا وبصوت جهوري لا بد أن نشير إليه وبأنه يثمر في أكثر من جانب إبداعي، ولهذا رصيده كبير ورافد غزير وفاعل للحركة الفنية الكردستانية والعراقية، رافد زلال وعذب ورقراق، عنه تتحدث حقوله المثمرة بالطيب والجميل، فهو فنان تشكيلي له أكثر من ثلاثين معرضاً ما بين فردي وجماعي، وهو مخرج مسرحي أخرج أكثر من عشر مسرحيات، وهو ممثل مثّل في أكثر من ستين مسرحية ما بين أدوار البطولة وأدوار الثانوية، ومثّل أيضاً في أربعة مسلسلات وفي فيلمين تلفزيونين وستة أفلام سينمائية، جعبته حافلة بالإنجازات التي تجري في عروق وأوردة الجسد الثقافي الكردي على نحو خاص والعراقي على نحو عام.
وستكون وقفتنا هذه بوصفه فناناً تشكيلياً، نحاول أن نقترب من حكايته، أقصد من تجربته، علّها تكشف لنا عن طعمها ورائحتها، وبالتالي عن تفاصيلها التي لا تكتفي بالبوح عن أسرارها.
صلاح ريكاني في جمالياته البصرية يحمل خصوصية ذاتية وبحثية، ذاتية آسرة به وبالمكان المشبع بالشمس وتجلياتها، وبحثية ينقب في الواقع وملامحه بالشكل الذي يراه حيث المجال الحيوي على أشده، فيتحسس الإنسان ومتغيراته التي لا تنتهي، يتحسس حفرياته المتشعبة المواضيع بأبجديات تتناثر على سطوحه علّها تتعانق جامعة كل التناقضات كحقول معاصرة تملك خاصية التنقل المريح المحسوس بإيقاعات داخلية تناغم لمسات الحركة في أبوابها المشرعة لفضاء متخيل تشرح الصدر بتكوينات حاذقة ومنسجمة وحالمة، فالطاقة الكامنة في دواخله على أهبة الإنفجار مع استيعاب انحباس تموضعاته وطروحاته في مسارات اللون ومخارجها، وهذا ما يفسر أعماله وكأنها على مفارق زمنية لا يهدأ فيها ذلك التعارك الحتمي والوديع بين الحسابات الجمالية وهندستها من الداخل ومن الخارج، مهما كانت هناك فروقات في البيئة الحياتية، وفي تطوراتها الفنية التي أنجبت حقبة بمفاهيم خاصة وبرؤية خاصة، فالأمر الذي يحتم على ريكاني عدم عزل الأشياء عن ارتباطاتها التاريخية وتحولاتها وإلا سيكون أمام إشكالية تكمن في أن جميع أعماله ستتحرك في فضاء واحد.

يبدو لنا أن ريكاني ينسجم إلى حد كبير مع تلك التطورات الفنية التي تظهر في مجالات الإبداع المختلفة والتي لا تخلو من إشكاليات كثيرة قد تعترضها، والتي قد تظهر في تداخلها فيما بين بعضها بعضاً حتى تختصر بمفاجآت جديدة تحمل قراءات تداولية جديدة بوعي معرفي، فكل شيء عنده قابل للتعبير، قابل للتصرف والحركة، قابل للتغطية والإغراق، فكل شيء عنده هو معطى آخر من معطيات الحياة بنسبة ما تمتد من اللابدايات إلى اللانهائيات كفيضان ضوئي يلقيها على مجموعة تفصيلاته تجنباً من الجفاف غير المسبوق التي تجتاح كل المفاصل بما فيها النبض ذاته، والتي تدفع المرء نحو التكيف مع الظروف المناخية، الحياتية، النفسية، الإبداعية، السيئة جداً والتي باتت تغطي أرواحنا كلها، ولهذا فهو لم يترك لحظات التشابك والتجاذب بين الرغبة الجارفة في الجموح نحو المسافات وإلغائها وبين الشروع في رصد اللامرئي وإقتفاء أثره وإستدعائه بلاوعيه ودفعها في فضاءاته ليتحول إلى ركيزة لمنجزه الفني بل إلى بوابات مشرعة في مهب الدلالات والتخيل، في مهب التصورات غير المألوفة والتي تمتلك حضوراً باعتبارها تلغي الفوارق بين الأبعاد المختلفة ويعصرها في بعد واحد تخص الفنان وحده، دون أي إلغاء لمشاهد الواقع اليومي، فيمضي في خلطته الجمالية بتقاطع الواقع مع اللاواقع، المرئي مع اللامرئي، المعقول مع اللامعقول، يمضي في إحتفاء مهيب وعلى شكل محاورات بينهما حتى يفتن كل منهما بالآخر وحتى يحن كل منهما للآخر فيتحرق عليه لتلد حينها لحظة نهوض منجزه كخيوط دقيقة ممتدة بين الأبعاد ذاتها التي عصرها في بعد واحد، لتلد حينها اللحظات العالقة من الحدود الفاصلة بين فعل الخيال ووقوعه ، وبين الإبلاغ عن رؤية وإنفتاحها على الرموز وكيفية تشكلها.
وهنا يبرز ريكاني مقدرته على الفعل وعلى سن رموز تلبي حاجته أقصد حاجة منجزه وفق حاجاتها ووفق الحريق الملتهب في بؤر عمقها، وهذا ما يجعلنا نقر بأن خطاب ريكاني بسيرياليته الموظفة بمفاهيم يتم تداولها بما يجسد تجربته هي أقرب إلى الأسطوري منها إلى الأسطورة وذلك بصخب لحظاتها التاريخية، وبتلاشي المباشرة، وبمفرداته التي تؤمن له روح الديمومة وعدم الإكتفاء بمعاينة الأشياء كظاهرة بل كبناء تكويني فيه يدور دقائق التفاصيل، وفيه يبني ريكاني رموزه الشخصية ما يجعله يتحرك في اللاحدود لا كإشارات عابرة بل كدلالات جديدة، بأبعاد جديدة تعلن عن نفسها في شكل ولادة جديدة، والحال أنه ينتشل نفسه من مسايرة الواقع ومما ظهر منه، يبتني رموزه الحاضنة لسيرياليته في لحظة تشكلها لذاتها، وما رموزه تلك إلا صدى للحظات التقاطع الخفي المحجب بين الواقع واللاواقع، العادي والخارق، الواقعي والخيالي، وهي لحظات إحياء لنصه / منجزه وإلحاقها بجموح ما يجاهد في بنائه، الذي لا يمكن أن ننعته بالغلو والمبالغة، وإنما بهدير يتحول في ميادين المواجهة إلى ما يمكن أن نسميه لحظات المكاشفة بإمتياز. 

ثمة حرص من قبل ريكاني على الإشتغال بكيفيات بناء الرمز في نصه / منجزه وبكيفيات تشكله ونهوضه إمعاناً في الزمن اللاميقاتي الذي ينخرط فيه بكل مقدرته للفعل فيها، لا بمجرد نقل ما يجري بلغة مغايرة، بل ينقل ما لم يجرِ وهذا ما يجعله ينفتح على لحظات الترحال ذاتها وفي رحاب العتبات المعتمة حتى يشق مجراه بدلالاتها ومعانيها غير مكتف بإلتقاط المقاصد وفق ما ما يتطلبه النص / المنجز، بل يدعها تتوالد تحت سطوة الإكتشاف دون الإنشغال عن أبرز مميزاتها الرافدة لبنيتها الإيقاعية، والمساهمة في بلورة بنيتها الدلالية، والتي تقيها من التلاشي والتماثل، وفي ضوء ذلك يتبين لنا السر في التنوع المستمر لديه، وفي بعثرة شظاياه بين مدركاته التي لا تقف عند حدود معينة بل تتوالى المشاهد طالما تتوالد وتتعالق دلالاتها.