صناعة أفكار لإنقاذ النموذج الاقتصادي للصحافة


في ترك الصحافة الاحترافية تعيش مأزقها، فإن الجميع يشتركون في السماح باتساع "الصحراء الإخبارية" مثلما يتركون مواقع التواصل عرضة  للانحياز والتضليل.


يبدو لي أن الصحافيين عليهم الشروع بأنفسهم في صناعة أفكار إنقاذ النموذج الاقتصادي المتراجع لمهنتهم التي تمّ كسرها بقوة المال والسياسة.

نتناسى أنفسنا كصحافيين عندما ندوّر على الحلول المقترحة لإنقاذ نموذج أعمال الصحافة من كساد السوق المريضة، بينما لم نتحرك بما يكفي لإعادة صناعة مهنة تحتضر في سوق رقمية هائلة وفي حالة تغيّر مستمر.

يبدو لي أن الصحافيين عليهم الشروع بأنفسهم في صناعة أفكار إنقاذ النموذج الاقتصادي المتراجع لمهنتهم التي تمّ كسرها بقوة المال والسياسة.

يميل الصحافيون إلى اعتبار أنفسهم مواهب فردية، مدفوعين بغرائزهم الجريئة، يجدون ويكشفون قصص الآخرين. بدلاً من ذلك يجب أن يفكروا في عملهم كعنصر واحد ضمن نظام شامل، لأننا كصحافيين لم نعد وحدنا في بناء غرف الأخبار وإعادة تسويقها.

إذا كان الصحافيون لا يستطيعون الاتفاق على فكرة عامة عن طبيعة المصلحة العامة والخدمة التي يطالبون الحكومات بتوفيرها للناس، فإن ذلك يعقد الدفاع عما نقوم به في عصر الإعلام الحر الأفقي،

الشروع بأنفسنا وإعادة صناعة مهنة تحتضر تبدأ منا قبل أن تكون مسؤولية الشركات الداعمة والحكومات والمعلنين. لأن هؤلاء جميعا لا يترددون في شراء المحتوى المتميز، وسط موجة هائلة من الأفكار المكررة المتشابهة التي تعرضها وسائل الإعلام في تنافس غير عادل مع شركات تكنولوجية كبرى. فمن كان بمقدوره صناعة ذلك المحتوى المتميز يكون قادرا على الاستمرار وسط تراجع مخيف.

سبق وأن تساءل ألان روسبريدجر رئيس تحرير صحيفة الغارديان السابق والمستشار الحالي في معهد رويترز “إذا كان الصحافيون لا يستطيعون الاتفاق على فكرة عامة عن طبيعة المصلحة العامة والخدمة التي يطالبون الحكومات بتوفيرها للناس، فإن ذلك يعقد الدفاع عما نقوم به في عصر الإعلام الحر الأفقي، من المهم بالنسبة لنا كصحافيين أن نكون قادرين على تحديد وإعلان قيمنا وأهدافنا واستقلالنا”.

فعندما يدير الصحافي ظهره للأفكار المبتكرة، والاكتفاء بفكرة ليس ثمة ما يمكن أن نتعلمه والخضوع لسيطرة الشركات التكنولوجية الكبرى، فإنه سيجعل من هذا الفضاء الإعلامي الحر، مقبرة لنفسه، مثلما يسهم في إبقاء مهنته راقدة في السوق المريضة.

التفكير المستمر يجعل عمل الصحافي اليوم مجردا من الصورة الفلكلورية الساذجة عن الصحافة، يجب أن يتوفر الإصرار الحقيقي من أجل صناعة الأفكار الجديدة وليس تكرارها، أزمة الصحافة اليوم بجيش من الصحافيين التقليديين الذين يكررون ما هو سائد.

لذلك يجب إعادة بناء الأعمال الصحافية من أجل إنقاذ الصحافة من مأزقها وليس انتظار سيناريوهات غير مكتملة تتحدث عنها الحكومات والشركات التكنولوجية الكبرى التي تكتفي عادة بدفع ضريبة الكلام لإبعاد المسؤولية عن دورها في جعل الصحافة تعيش في عصر غير عادل بحقها.

وفي ترك الصحافة الاحترافية تعيش مأزقها، فإن الجميع يشتركون في السماح باتساع “الصحراء الإخبارية” مثلما يتركون عمالقة مواقع التواصل وأنظمة المعلومات الرقمية عرضة  للانحياز والتضليل الذي يصيب الرأي العام ويحدث ضررا في عجلة بناء المجتمعات بوسائل تبادل سلمي.

وبمجرد النظر لنموذج الأعمال الصحافية اليوم، نكتشف كمجتمعات بيسر ما فقدناه لمعرفة حقيقة ما يجري في العالم، نكتشف الخلاف السام المتصاعد، عدم الاتفاق على مفهوم الحقيقة، لنعيد إطلاق السؤال على أنفسنا هل نحن في أفضل حال من دون صحافة مسؤولة وقادرة على ربط المجتمع بديمقراطية حرة من الأفكار والمعلومات؟

ما يجري في العصر الرقمي، صعود الفرد وتراجع المؤسسات. بينما يرغب غالبية الصحافيين في العمل بشركة كبيرة ومستقرة ذات فوائد ضخمة، لكن شركات مثل هذه إذا كانت قائمة في قطاعات تجارية معينة فإنها لم تعد موجودة كثيرا في الصحافة.

كم مؤسسة إعلامية على سبيل المثال تمتلك استقرار صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية أو نيويورك تايمز الأميركية؟ عندما نعرف الأزمة الوجودية التي تعيشها صحيفة الغارديان العريقة نعثر على الإجابة بسهولة.

دعك من المؤسسات الإعلامية التي تسيّرها الحكومات من أجل إيصال خطابها، بغض النظر عن أهميته، لأن تلك الحكومات ترمي أموالها في أكياس من النفايات لا يعبأ بها الجمهور التواق لمحتوى إعلامي متميز، بدلا من أن تسهم بتلك الأموال في صناعة إعلامية تحمي المجتمع من الفساد والخطاب السام.

لذلك ستستعيد غرف الأخبار أهميتها وحيويتها عندما ترى المجتمعات بأنها تلبي حاجتها أكثر مما تلبي مصالح أنانية للحكومات والأحزاب ورؤوس الأموال.

يعترف داريل هوليداي الذي يعمل في منظمة صحافة مدنية غير ربحية في شيكاغو، بأن فشل الصحافيين في تلبية حاجة المجتمع ليس سابقة في التاريخ، لذلك علينا أن نتساءل ما هي نوعية الأخبار التي يبحث عنها الناس اليوم، من أجل صناعة نماذج جديدة.

وتحذر الصحافية الأميركية سافانا جاكوبسون من المخاطرة بالتضحية باستقلال الصحافة وتحول صناعة الإعلام، من عمل قائم على الاستقلالية ودعم الإعلانات إلى نموذج يعتمد على المشتركين والمتبرعين المحسنين! لما له من آثار حاسمة على طبيعة التغطية وصدقها.

أرى أن الصحف عليها ألا تكرر الخطأ الذي ارتكبته في بداية اندماجها بالإنترنت، عندما اعتقدت أن الحضور الرقمي يعني ببساطة نقل المقالات المطبوعة إلى الويب! لتجد نفسها ضائعة بعد أن كسرها جيل الإنترنت وانهال عليها في ما بعد أبناء فيسبوك وتويتر.

لكن ما لم نتوخ الحذر وفق الكاتب جون ثورنهيل، فإن اعتمادنا المتزايد على التكنولوجيا قد يؤدي إلى تضخيم الأزمة العالمية المقبلة بدلا من تقليلها. واستخدامنا الشامل للتكنولوجيا يتجاوز منذ الآن قدرتنا على إدارتها بأمان.

لذلك يجادل ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، بأن ثقة المجتمع بالتكنولوجيا تراجعت بسبب المخاوف المتزايدة بشأن الأمن السيبراني والخصوصية وأمان الإنترنت والاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي.

وكل ذلك يجعل العودة إلى الجذور حاجة إنسانية حقيقية، ليس للصحيفة الورقية وحدها، بل للمكتبات والعروض المباشرة في المسارح والقاعات.

حان الوقت للتصدي لتحديات الصحافة وإعادة صناعة مستقبلها، بعد أن علمتنا تجربة الإغلاق القسري في أشهر انتشار وباء كورونا، أن المجتمعات لا يمكن أن تستغني عن جوهر صحافتها الحرة المعبرة عنها بإخلاص، وأن الحكومات ستخضع إن عاجلا أو أجلا للصحافة عندما تعجز عن إنتاج ما يجعلها تقنع الشعوب، كما تفعل صحافة متسقة مع جوهرنا التاريخي.