صوت ممداني يهزّ جدران واشنطن وتل أبيب

فوز تاريخي يُعيد رسم وعي نيويورك ويُغيّر وجه السياسة الأميركية تجاه فلسطين.

بينما كانت أنظار العالم تتجه نحو الانتخابات الرئاسية الأميركية، كانت نيويورك هذه المرة تعدّ لثورة صامتة من نوع مختلف. ففي مدينة ظلت لقرون معقلاً للتبادل التجاري والثقافي، ها هي اليوم تشهد تحولاً في بنيتها السياسية العميقة.
إن فوز زهران ممداني بمنصب العمدة يشكّل إعادة تشكيل للخريطة السياسية في إحدى أهم مدن العالم.
لكن هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فقد تراكم الغضب الشعبي خلال السنوات الأخيرة من سياسات إدارة ترامب التي عمّقت الانقسامات، وروّجت لخطابات عنصرية متطرفة ضد المهاجرين والمسلمين والسود. ومع تصاعد تلك السياسات، بدأ وعيٌ جديد يتكوّن في المدن الكبرى، خاصة نيويورك، التي لطالما كانت مرآة للتنوع الإنساني.

وفي الوقت ذاته، كان العالم يشهد انكشافاً غير مسبوق لحقيقة الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة التي تُمارس ضد الشعب الفلسطيني، وهو ما جعل السردية الفلسطينية تخرج من الهامش إلى مركز النقاش العالمي، مؤثرة في ضمير الناخبين الأميركيين.

كان المشهد مميزاً ذلك المساء، حين وقف ممداني أمام أنصاره في قاعة مليئة بالبشر على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم. لم تكن تلك لحظة احتفال تقليدية، بل تتويجاً لرحلة تحدٍّ استمرت سنوات، واجه خلالها ممداني أعتى الحملات التشويهية التي شنّها تحالف غير مسبوق جمع بين أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب واللوبي الصهيوني والحكومة الإسرائيلية.

الحقيقة في مواجهة المال والنفوذ
شهدت الحملة الانتخابية هجوماً شرساً تم تمويله بملايين الدولارات لتشويه صورة ممداني، فقط لأنه تجرأ وتبنّى السردية الفلسطينية ورفض الاستمرار في تزوير الحقائق التي تروّجها الإدارة الأميركية الشريكة للحكومة الإسرائيلية.
لقد حاولوا تحويل دعمه للقضية الفلسطينية إلى تهمة، لكن ناخبي نيويورك اختاروا سماع الصوت الآخر، الصوت الذي يقول الحقيقة التي يرفض الكثيرون رؤيتها.

ولم يكن ذلك بمعزل عن تأثير المشهد العالمي، فصور الدمار في غزّة والمجازر التي ما زال الجيش الإسرائيلي يرتكبها، والاحتجاجات التي عمّت الجامعات الأميركية في الماضي القريب، كلها ساهمت في إعادة تشكيل الوعي العام في العالم. وفي مواجهة إرث الخطاب الترامبي المتطرف، وجد الناخبون في ممداني ضالتهم للإنسانية والعدالة، لا سيما تجاه الفلسطينيين.

صراع بين سرديتين
ما يجعل هذه القصة أكثر إثارة هو أنها لم تكن مجرد صراع بين مرشحين، بل معركة بين سرديتين؛ من ناحية، السردية التقليدية التي ظلت مهيمنة لعقود وتقول إن نيويورك مدينة لا يمكن قيادتها إلا بمنطق القوة والمال والولاءات التقليدية واللوبيات الصهيونية، ومن ناحية أخرى، سردية جديدة تطرح نفسها بقوة، تؤكد أن السياسة يمكن أن تُبنى على أسس العدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني والمواقف المبدئية والحقيقة الصمّاء.

لقد أدرك الناخب في نيويورك أن الصمت أمام العنصرية، سواء كانت محلية أو دولية، لم يعد ممكناً. فكما رفض إرث ترامب وخطابه الإقصائي، رفض أيضاً التواطؤ السياسي والإعلامي مع آلة الحرب الإسرائيلية. وهكذا التقت القضيتان: رفض العنصرية الداخلية ونصرة الحق الفلسطيني في وعي الناخب الأميركي، لتشكّلا القاعدة التي حملت ممداني إلى منصب عمدة نيويورك.

لعل أكثر ما يلفت النظر في هذه القصة هو توقيت حدوثها، ففي وقت تشهد فيه الولايات المتحدة انقساماً سياسياً حاداً، وتتزايد فيه خطابات الكراهية والعنصرية، تخرج نيويورك بصوت مختلف؛ صوت يقول إن التعايش ممكن، وإن التنوع مصدر قوة، وإن القيم الإنسانية المشتركة قادرة على جمع ما تفرّقه السياسة. كما أن القضية الفلسطينية، بما تشهده من مجازر وقتل مروّع، وصلت إلى وجدان الشعوب حول العالم وإلى أزقة المدن، لتصبح جزءاً من الوعي السياسي الذي يحدد من يدخل أروقة القرار في نيويورك.

بداية فصل جديد نحو الشرق الأوسط
القصة الكبرى هنا لا تتمثل في حصول مسلم على منصب مهم، بل في تحوّل مجتمعي أعمق؛ إنها قصة مدينة تعيد اكتشاف هويتها، وجيل جديد يرفض أن يكون سجين الخيارات السلطوية بالتلقين، ومجتمع قرر أن يكون صوت الضمير الإنساني في زمن الصمت.

لكن هذا الانقلاب لا يقف عند حدود المدينة التي لا تنام، فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط، كما العالم بأسره، والقضية الفلسطينية تحديداً، أثبت أن التغيير الحقيقي لا يأتي من النضال الفلسطيني وحده. فالولايات المتحدة، التي تمسك بمفاتيح القرار الدولي، تشهد اليوم تحوّلاً في وعيها العميق تجاه فلسطين. وما حدث في نيويورك ليس مجرد فوز انتخابي محلي، بل بداية تغيّر في القناعات داخل البنية الذهنية للوعي الأميركي تجاه هذه القضية.

لقد أدت اعتصامات الطلاب في الجامعات الأميركية واحتجاجاتهم ضد تمويل آلة الحرب الإسرائيلية إلى إعادة صياغة الخطاب العالمي حول العدالة والاحتلال والحرية. هذه الحركة الشبابية كانت المرآة التي عكست روح التغيير التي حملها ممداني في حملته الانتخابية، وربطت بين الضمير الأميركي والحق الفلسطيني.

ومن هنا، فإن فوز زهران ممداني لا يمثل فقط انتصاراً لنيويورك كمدينة متعددة الثقافات، بل هو أيضاً إشارة سياسية كبرى إلى أن طريق التغيير في الشرق الأوسط يبدأ من الداخل الأميركي نفسه. فإذا تغيّر وعي المواطن الأميركي وتبدّل معه القرار السياسي، واتجهت المدينة التي ترسم ملامح السياسة الدولية نحو الحقيقة، فسيكون ذلك بداية النهاية لتسويق الولايات المتحدة لدور الاحتلال كضحية.