'صيف فاس 55' يحقق إشعاعا دوليا وسط تجاهل محلي
شهدت مدينة كورتي الفرنسية انطلاقة مميزة للفيلم المغربي الفريد "صيف فاس 55"، الذي عرض لأول مرة في فرنسا، يوم الأربعاء 19 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري في سينما لآلبا. وتكرّر العرض الخاص في أجاكسيو بسينما ليتيسيا يوم الجمعة 21 نوفمبر/تشرين الثاني.
وتروي أحداث الفيلم قصة الصبي كمال (11 عامًا)، الذي عَاشَ الأشهر الحاسمة التي سبقت استقلال المغرب عام 1955، إذ شاركَ في الكفاح من أجل الحرية. التقى الجمهور بالمخرج عبدالحي العراقي والمنتجة كارولين لوكاردي، اللذين قدما هذا العمل الذي يُجسّد الصداقة الطفولية كاستعارة للصحوة الوطنية.
ويُعد فيلم "صيف فاس 55" للمخرج القدير عبدالحي العراقي عملاً سينمائيًا وطنيًا ضخمًا، يقتحم بسلاسة ومهارة حقبة تاريخية نادرة التناول في الفيلموغرافيا المغربية، وتحديدًا سنة 1955 في مدينة فاس الروحية. لقد نجح الفيلم، كما يشهد النقد الفني، في تحويل التوثيق التاريخي إلى حكي سينمائي عميق ومؤثر عبر عدسة الطفل كمال، مُحققًا بذلك قيمة فنية وتاريخية لا يمكن إنكارها.
إنّ ثقل الموضوع الذي يتناوله الفيلم، والمتعلق بقصة المقاومة الشعبية ضد المستعمر الفرنسي وصولًا إلى عودة الملك محمد الخامس، إلى جانب الرؤية الإخراجية المُتقنة التي قدّمت تفاصيل فاس المعمارية والثقافية (من أزقة وسطوح وألبسة وموسيقى مثل الملحون) كشخصيات فاعلة، جعله مطلوبًا ومُحتفى به بشكل لافت خارج الحدود المغربية.
هذا العمل، الذي يمثل نقطة مضيئة في تقديم التاريخ الوطني بلغة سينمائية عالمية، ينال التقدير والاحتفاء في المهرجانات والتظاهرات السينمائية الدولية، ويحظى باهتمام الأوساط النقدية الأجنبية التي ترى فيه وثيقة فنية وإنسانية عن مرحلة مفصلية. وهذا الإشعاع الخارجي يؤكد جودة الفيلم وقدرته على التواصل مع الجمهور العالمي حول قضية وطنية بخصوصية جمالية مغربية خالصة.
التجاهل القاسي للمهرجانات المغربية، في مفارقة تثير الاستغراب والاستياء، يقابل هذا النجاح والطلب الدولي عزلة وتجاهل واضحين من قِبل المشهد السينمائي المغربي المحلي. على الرغم من التكلفة الإنتاجية والصعوبات الكبيرة المتعلقة بإنتاج فيلم تاريخي من هذا العيار، فإن المهرجانات السينمائية المغربية الكبرى، التي يُفترض بها أن تكون الواجهة الأولى لدعم واحتضان الأعمال الوطنية الجادة، تبدو وكأنها تغض الطرف عن هذا الإنجاز.
سجّل الفيلم حضوره في مهرجان سلا الدولي لفيلم المرأة كأفضل محطة نال فيها استقبالًا محترمًا، إذ جرى عرضه هناك على الأقل، ودُعي صنّاعه للمشاركة رغم وضعه خارج المسابقة. أمّا المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، الذي حُرم فيه العمل من دخول المسابقة الرسمية، ومهرجان تطوان الذي لم يوجّه أي دعوة لعرضه، لا في المسابقة ولا حتى في فقرة البانوراما، فقد استمرا في تجاهله. ويتكرّر هذا التجاهل في عدد من المهرجانات المغربية التي لم تُدرجه ضمن برمجتها، رغم كونه فيلمًا يحكي جزءًا حساسًا وجميلًا من تاريخ المغرب، وكان يُفترض أن يحظى بالأولوية في فضاءات تحتفي بالسينما الوطنية وتمثّلاتها التاريخية.
هذا التناقض الصارخ بين الاحتفاء العالمي بالفيلم والطلب عليه كمنتج فني ذي قيمة، وبين التجاهل القاسي من مؤسساته المحلية، يطرح علامات استفهام كبرى حول الدعم الفعلي الذي يُقدّم للفنانين الذين يغامرون باقتحام موضوعات وطنية صعبة وحساسة.