ضباب في السياسات العالمية.. الاقتصاد يصمد والتحديات تتراكم

الاقتصاد العالمي واجه سلسلة من الصدمات السياسية والتجارية، من أبرزها الرسوم الجمركية الجديدة التي أطلقها ترامب في ما سماه "يوم التحرير"،

واشنطن - في ختام الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، غادر كبار المسؤولين الماليين حول العالم العاصمة الأميركية بشعور مزدوج: ارتياح نسبي أمام صمود الاقتصاد العالمي غير المتوقع، وإرهاق واضح من ضبابية المشهد السياسي والاقتصادي الذي يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر، لا سيما في ظل السياسات المتقلبة للإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب خلال ولايته الثانية.

خلال الأشهر التسعة الماضية، واجه الاقتصاد العالمي سلسلة من الصدمات السياسية والتجارية، من أبرزها الرسوم الجمركية الجديدة التي أطلقها ترامب في ما سماه "يوم التحرير"، وما تلاها من إجراءات متبادلة مع الصين. هذه السياسات، التي أربكت الأسواق وأثارت قلق المؤسسات المالية الدولية، شكّلت محور النقاش في اجتماعي الربيع والخريف للمؤسسات المالية الدولية هذا العام.

نائب محافظ بنك تايلاند، بيتي ديسياتات، عبّر عن حالة الإرهاق التي يشعر بها صناع القرار حول العالم قائلاً: "منذ يوم التحرير، كان علينا أن نفهم السياسات الجديدة، ونكيف قراراتنا المالية تبعاً لها، ثم نشرحها للرأي العام. إنها مهمة مرهقة وسط ضبابية متزايدة".

أما الوفد الياباني المشارك، فأشار إلى أن متانة الاقتصاد العالمي تبدو أكبر مما كان متوقعاً قبل أشهر قليلة، لكنه حذر في الوقت نفسه من "الرضا الزائف"، في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية وتعدد مصادر التوتر.

خلال الاجتماعات الأخيرة، عاد التصعيد بين الولايات المتحدة والصين إلى الواجهة مجدداً، بعدما ردّ ترامب على القيود الصينية على المعادن النادرة بإعادة فرض رسوم جمركية بنسبة 100٪ على الصادرات الصينية إلى بلاده. هذا التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل تجارية جديدة، بعيداً عن المحاور الكبرى المتصارعة.

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، وصفت المناقشات هذا العام بأنها "من بين الأكثر جدية وبناءً" خلال مسيرتها، مشيرة إلى أن ارتفاع مستوى الغموض جعل الجميع أكثر واقعية. وقالت في مؤتمر مصرفي: "ربما لأن الضبابية أصبحت مفرطة إلى درجة لا يمكن تجاهلها، أو لأن الدول بدأت تدرك أن التعاون الدولي، الذي كان يُعدّ أمراً بديهياً، لم يعد مضموناً كما في السابق".

ورغم تصاعد التوتر الأميركي–الصيني، رأت جورجيفا والمديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نجوزي أوكونجو إيويالا، أن الوضع لا يزال قابلاً للاحتواء، إذ لم يتطور إلى حرب تجارية شاملة. وأشارتا إلى أن بعض الدول بدأت بالفعل في تعزيز شراكاتها الإقليمية والثنائية لتقليل اعتمادها على الاقتصادات الكبرى.

في هذا السياق، قالت وزيرة المالية النيوزيلندية نيكولا ويليس إن "التوجه نحو توسيع العلاقات التجارية الإقليمية يكتسب زخماً واضحاً"، مضيفة أن تفاقم الضبابية الجيوسياسية سيدفع مزيداً من الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية. وأبرزت خطوة الاتحاد الأوروبي الرامية إلى الانضمام لاتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ كإشارة واضحة على هذا التحول.

من جانبها، أكدت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر، رانيا المشاط، أن "تعزيز التعاون الإقليمي لم يعد خياراً بل ضرورة"، مشيرة إلى أن التجارب الأخيرة أثبتت أن التكامل الاقتصادي الإقليمي يمثل صمام أمان في مواجهة الأزمات العالمية.

أما نجوزي أوكونجو إيويالا، فشددت على أن منظمة التجارة العالمية بحاجة ماسة إلى إصلاحات هيكلية شاملة، مؤكدة أن "التجارة العالمية ساعدت بالفعل عدداً من الدول على تحقيق النمو، لكنها لم تُنصف الجميع بالقدر نفسه"، داعية إلى تنويع الشراكات والفرص التجارية لتكون أكثر شمولاً وعدالة.

في المحصلة، بدت اجتماعات واشنطن هذا العام بمثابة مرآة لمرحلة انتقالية يعيشها الاقتصاد العالمي، بين مرونة نسبية أثبتت قدرتها على الصمود، وضبابية سياسية واقتصادية لا تزال تخيّم على الأفق، ما يجعل من العام المقبل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات الدولية على استعادة الاستقرار وسط عالم مضطرب السياسات ومفتوح الاحتمالات.