'عائلة السماحي'.. حوار بصري بين الأجيال
القاهرة - لا يقدّم معرض "عائلة السماحي" نفسه بوصفه حدثًا تشكيليًا عابرًا، بل يفرض حضوره كتجربة إنسانية نادرة، تتجاوز فكرة العرض الجماعي إلى بناء مشهد متكامل تُصاغ فيه العلاقات الأسرية بلغة اللون والخط والكتلة. في غاليري ضي الزمالك، يتجاور الفن بوصفه ممارسة فردية مع الفن كحالة معيشة يومية، ليكشف المعرض عن نموذج إبداعي استثنائي، تُعاد فيه صياغة مفهوم "الأسرة الفنية" بعيدًا عن التنميط أو الادعاء.
في هذا المعرض، لا يقف الفنان الدكتور خالد السماحي في مركز الدائرة بوصفه الاسم الأبرز فقط، بل بوصفه نقطة انطلاق لحوار ممتد، تشارك فيه زوجته الفنانة أمل فتحي وبناته الثلاث: حبيبة، فرحة، ولينا. خمس تجارب، خمس رؤى، وخيط إنساني واحد يربط بينها دون أن يلغي خصوصية أي منها.
الفكرة الجوهرية للمعرض لا تقوم على "توريث الموهبة"، وهي المقولة التي طالما سادت في الخطاب الفني، بل على التفاعل والتجاور والتأثر المتبادل. هنا، يبدو الفن أقرب إلى مناخ عام داخل البيت، لا إلى درس أو وصاية. كل تجربة تشق طريقها بحرية، لكنها لا تنفصل عن هذا المناخ المشترك الذي صقل الحس البصري ووسّع أفق الرؤية.
الدكتور خالد السماحي، صاحب التجربة الممتدة منذ أوائل التسعينيات، يحضر بأعمال تعكس انشغاله الدائم بالإنسان: ملامحه، حالاته، وتفاصيله اليومية. لوحاته، التي تمزج بين الواقعية والتعبيرية، لا تبحث عن الاستعراض التقني بقدر ما تنفذ إلى جوهر اللحظة الإنسانية. خبرته الطويلة لا تظهر فقط في النضج الفني، بل في القدرة على الإصغاء للآخر، وهو ما ينعكس بوضوح في طبيعة هذا المشروع الأسري.
إلى جواره، تقدّم أمل فتحي تجربة مختلفة في مرجعياتها واهتماماتها، حيث يتقاطع الفن التشكيلي مع الوعي بالهوية المصرية القديمة. انشغالها باللغة المصرية القديمة والخط الهيروغليفي لا يأتي بوصفه استدعاءً تراثيًا جامدًا، بل كوسيط معاصر للتواصل والتعليم، خاصة مع الأطفال، ما يمنح أعمالها بعدًا ثقافيًا وتربويًا يتجاوز حدود اللوحة.
أما البنات الثلاث، فكل واحدة منهن تمثل مسارًا فنيًا مستقلًا، يؤكد أن ما يجمعهن ليس التشابه، بل الاختلاف الخلاق.
حبيبة السماحي، بخلفيتها الأكاديمية وممارستها التدريسية، تقدّم أعمالًا تتسم بوعي تشكيلي واضح، وقدرة على الموازنة بين الحس الانطباعي والرؤية المعاصرة. لوحاتها تنم عن فهم عميق للبناء والتكوين، واهتمام خاص بالعلاقة بين الشكل والمضمون، مع ميل واضح للتجريب دون فقدان السيطرة.
فرحة السماحي تأتي من بوابة النحت، حاملة معها خبرات متنوعة تمتد من النحت الجداري إلى المؤثرات البصرية في السينما والتلفزيون. حضورها في المعرض يضيف بعدًا ماديًا وفضائيًا مختلفًا، حيث تتحول الكتلة إلى خطاب بصري، وتصبح الذاكرة والخبرة العملية جزءًا من تكوين العمل الفني.
أما لينا، الأصغر سنًا، فهي مفاجأة المعرض الحقيقية. لا بسبب عمرها فقط، بل بسبب الجدية والصدق اللذين تحملهما أعمالها. مشاركاتها السابقة وجوائزها تؤكد أننا أمام موهبة تتشكل بهدوء وثقة، دون استعجال أو ادعاء، في تجربة لا تزال في بدايتها لكنها تبشّر بمستقبل واعد.
ما يميز معرض "عائلة السماحي" أنه لا يقدّم الأعمال في عزلة، بل يضعها في سياق حواري مفتوح. التجاور هنا ليس شكليًا، بل فكري وبصري، يسمح للمتلقي بأن يرى نقاط التلاقي والاختلاف، وأن يقرأ كل عمل بوصفه صوتًا فرديًا داخل نسيج جماعي.
بهذا المعنى، يصبح المعرض تجربة عن الفن بوصفه علاقة، وعن الإبداع كمسار إنساني قبل أن يكون إنجازًا فرديًا. إنه دعوة للتأمل في كيف يمكن للبيت أن يكون حاضنة للفن، وكيف يمكن للعائلة أن تتحول من إطار اجتماعي إلى مساحة حرة للإلهام والتجريب.
"عائلة السماحي" ليس معرضًا عن الأسماء، بل عن الروابط، وليس احتفالًا بالماضي فقط، بل إشارة واضحة إلى مستقبل تتشكل ملامحه الآن، بهدوء، وبكثير من الصدق.
يحتفي هذا المعرض المقرر أن يتواصل لأسبوعين بمحطة فريدة في مسيرة الفنان التشكيلي المصري الدكتور خالد السماحي المولود في القاهرة عام 1971، وهو أحد أبرز رواد الحركة الفنية المعاصرة في مصر، بنى تجربته على كشف جوهر الإنسان ونفَسه داخل العمل الفني، متحديًا التقليد ومتفاعلًا مع الذات والآخر والواقع من حوله.
تخرج خالد السماحي بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان عام 1993 في قسم التصوير الزيتي، ومنذ ذلك الحين وعمله يستكشف الوجود الإنساني عبر البورتريه والمنظر الطبيعي واللوحات التي تجسد تفاصيل الحياة اليومية، مزيجًا بين الواقعية والتعبيرية والبصمة الذاتية التي لا تُخفى على المتلقي. قدم أكثر من ثلاثين معرضًا فرديًا ومشاركات عديدة داخل مصر وخارجها، كما وجدت أعماله مكانها في متاحف ومقتنيات فنية في مصر ودول عربية وأوروبية.
وتخرجت أمل فتحى، زوجة خالد السماحي من كلية الفنون الجميلة جامعة حلوان عام 1993 في قسم التصوير الزيتي وقد شاركت في العديد من المعارض الجماعية، وحصلت على المستويات الأربعة من اللغة المصرية للخط الهيروغليفي وتعمل على نشر الثقافة المصرية وتعليم اللغة المصرية بالخط الهيروغليفي للأطفال عن طريق الفن.
أما حبيبة السماحي، فهي فنانة تشكيلية ومساعدة تدريس، تخرّجت من كلية الفنون الجميلة قسم التصوير الزيتي عام 2023، شاركت في عدد من المعارض الفنية المرموقة بدار الأوبرا وغاليريهات الزمالك، تتسم أعمالها بفهم عميق للشكل واللون والتعبير، متأثرة بالاتجاهين الانطباعي والمعاصر، إلى جانب ممارستها الفنية، تهتم بتعليم وتوجيه الفنانين الشباب، وتتخصص في التصوير الزيتي والتشريح الفني والفن الرقمي.
وتخرجت الفنانة فرحة السماحي من كلية الفنون الجميلة عام 2024، هي تشكيلية متخصصة في النحت الجداري والنصب التذكارية، ولها خبرة واسعة في تنفيذ الأعمال الفنية داخل مصر وخارجها، عملت في مجال المؤثرات الخاصة السينمائية (Special Effects Makeup) وشاركت في أعمال للسينما والتلفزيون.
والفنانة لينة السماحي، تشكيلية شابة، من مواليد يناير/كانون الثاني 2011، وطالبة بالمرحلة الثانوية، بدأت رحلتها الفنية في سن مبكرة، وشاركت في عدد من المعارض الجماعية والمسابقات الفنية، بينها مهرجان الربيع بجامعة النيل، ومعارض ومسابقات ياسمين السمرة، إلى جانب مشاركتها في مسابقات دولية وصالون كرنڤال الألوان بقاعـة الأهرام للفن، ومهرجان الصيف الفني بغاليري أوديسي بالزمالك، وحصلت على الجائزة الأولى في مسابقة مهرجان الربيع بجامعة النيل، وتُعد من المواهب الواعدة التي تخطو خطواتها الأولى بثقة وشغف نحو عالم الفن التشكيلي.